من بعيد لا يكون إلّا واحداً من المحتملات المختلفة ، وما ذلك إلّا لأنّ المدركات الحسّيّة ذات وضع لا يجوز لها الصدق على كثيرين إلّا على نحو الترديد والتناوب . هذا ما يخصّ المشبّه به من كلام . وأمّا المشبّه والذي هو المثل النوريّة ، فإنّها ممّا لا يجوز عليها الوضع والإشارة الحسّيّة فلذلك لا مانع من قبولها للصدق على كثيرين وفي عرض واحد أيضاً ، وما ذلك إلّا لكلّتيها التي هي بمعنى السِّعة الوجوديّة .
« والحاصل : أنّ النفس عند إدراكها للمعقولات الكلّيّة تشاهد ذواتاً عقليّة مجرّدة ، لا بتجريد النفس إيّاها وانتزاعها معقولها من محسوسها ، كما هو عند جمهور الحكماء ، بل بانتقالها من المحسوس إلى المتخيّل ثمّ إلى المعقول وارتحال من الدنيا إلى الآخرة ، ثمّ إلى ما وراءهما ، وسفر من عالم الأجرام إلى عالم المثال ، ثمّ إلى عالم العقول . . . » « 1 » ، وبالتالي فإنّ إدراك النفس للكلّيّات إنّما هو بارتقاء النفس إلى ذوات عقليّة مجرّدة قائمة بذاتها . أمّا ما هو منشأ الكلّيّة هذه ، مع كون كلٍّ من المدرِك والمدرَك أمراً واحداً شخصيّاً يمتنع فرض صدقه على كثيرين فهو ما سوف يُلقى عليه الضوء في إشارات هذا
الفصل .
ملاك الكلّيّة والعموم
إنّ الكلّيّة التي تعني الإبهام والصدق على كثيرين إنّما هي أثرٌ ناتج عن ضعف الوجود ووهن المعقوليّة ومردّ هذا الضعف « أعمّ من أن يكون ناشئاً من قصور المدرِك أو من فتور الإدراك فإنّ ضعف الإدراك وقلّة النيل كما يكون تارةً من جانب المدرِك بأن تكون قوّته الدرّاكة في نفسها ضعيفة ،
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 1 ص 290 289 .