الحسّ مثال وصنم لما في عالم الإله ، فكذلك عالم الحسّ يكون صنماً ومثالًا لذلك العالم الأعلى الأشرف الذي هو عالم المثل الإلهيّة ، والفرق بينهما بالشدّة والضعف والكمال والنقص ، وكيف لا يكون عالم الإله أتمّ من عالم الحسّ وهو الذي يفيض الحياة عليه وكذلك القوّة والكمال والدوام .
إشارات الفصل
صفة النار
قال في الميمر الثامن : « وصفة النار هي مثل صفة الأرض أيضاً ، وذلك أنّ النار إنّما هي كلمة ما في الهيولى ، وكذلك سائر الأشياء الشبيهة بها . . . والنار لم تكن من تلقاء نفسها بلا فاعل ، ولا هي من احتكاك الأجسام كما قد ظُنَّ وإنّما تظهر النار من احتكاك الأجسام الحسّيّة ؛ لأنّ في كلِّ جسم ناراً ، فإذا احتكّت الأجسام بعضها ببعض سخنت ، فإذا سخنت ظهرت منها النار ، وليست النار منها ، وليست الهيولى ناراً بالقوّة ، ولا هي تُحْدِثُ صورة النار ، لكن في الهيولى كلمة فعّالة تفعل صورة النار وصورة سائر الأشياء ، والهيولى قابلة لذلك الفعل ، والكلمة التي فيها الهيولى هي النفس الكلّيّة التي تقوى أن تصوّر في الهيولى ناراً وسائر الصور السمائيّة .
وهذه النفس إنّما هي حياة النار ، وكلمة فيها . . . ولذلك قال أفلاطون :
إنّ في كلِّ جرم من الأجرام المبسوطة نفساً ، وهي فاعلة لهذه النار الواقعة تحت الحسّ . فإن كان هذا هكذا قلنا : إنّ الشيء الذي تفعل هاهنا النار . . . » « 1 » .
هذا النصّ من « أثولوجيا » ومن الميمر الثامن تحديداً احتوى على المقدّمات التي تفضي إلى وجود عقليّ مجرّد للنار الواقعة في عالمنا هذا .
هامش
( 1 ) الميمر الثامن ، مصدر سابق : ص 92 .