هاهنا إلَّا أنّها فيه نوعٌ أعلى وأشرفُ كما قلنا مراراً ، فثمَّ سماءٌ ذاتُ حياةٍ وفيها كواكبُ مثلُ هذه الكواكبِ التي في هذه السّماءِ غيرَ أنّها أنْوَرُ وأكملُ ، وليس بينها افتراقٌ كما يُرى هاهنا ، وذلك لأنّها ليستْ جسمانيّةً ، وهناك أرضٌ ليست ذاتَ سباخٍ لكنّها كلُّها عامرةٌ ، وفيها الحيوانُ كلُّها ، والطَّبيعةُ الأرضيّةُ التي هاهنا وفيها نباتٌ مغروسٌ في الحياة ، وفيها بحارٌ وأنهارٌ جاريةٌ جرياً حيوانيّاً ، وفيها الحيوانُ المائيّةُ كلُّها ، وهناك هواءٌ وفيه حيوانٌ هوائيّةٌ حيّةٌ شبيهةٌ بذلك الهواءِ ، والأشياءُ التي هناك كلُّها حيّةٌ ، وكيفَ لا تكون حيّةً وهي في عالمِ الحياةِ المحضِ لا يشوبُها الموتُ ألبتّة ، وطبائعُ الحيوانِ التي هناك مِثلُ طبائِعِ هذهِ الحيواناتِ إلَّا أنَّ الطبيعةَ هناك أعلى وأشرفُ من هذهِ الطبيعةِ لأنّها عقليّةٌ ليست حيوانيّةً .
الشرح
في هذا الميمر مزيدُ تأكيد على أمرين اثنين لا فكاك بينهما بتاتاً :
1 موجودات ذات حياة أتمّ وشرف أكمل ووجود أشدّ ، وقد صُدِّر هذا الميمر بالنار على سبيل المثال ، كما تحدّث عن الأرض كذلك ، فقد انطلق لإثبات النار الحقيقيّة ذات الحياة الحقيقيّة من خلال النار التي هاهنا ،
« وذلك أنّ النار إنّما هي كلمة ما في الهيولى . . . والنار لم تكن من تلقاء نفسها بلا فاعل ، ولا هي من احتكاك الأجسام كما ظنَّ قوم وإنّما تظهر النار من احتكاك الأجسام الحسّيّة ؛ لأنّ في كلّ جسم ناراً ، فإذا احتكّت الأجسام بعضها ببعض سخنت ، فإذا سخنت ظهرت منها النار ، وليست النار منها ، وليست الهيولى أيضاً ناراً بالقوّة ولا هي تُحدِثُ صورة النار ، لكن في الهيولى