الفصل الخامس : الوجه الثاني للسهروردي
الوجهُ الثاني : إنّك إذا تأمّلتَ الأنواعَ الواقعةَ في عالمِنا هذا وجدتَها غيرَ واقعةِ بمجرَّدِ الاتّفاقات . وإلّا لما كانت أنواعُها محفوظةً عندنا ، وأمكنَ حينئذ أنْ يحصلَ مِنَ الإنسانِ غيرُ الإنسانِ ، ومن الفرسِ غيرُ الفرس ، ومِنَ النّخلِ غيرُ النّخلِ ، ومن البُرِّ غيرُ البرِّ ، وليس كذلك ، بل هي مستمرّةُ الثباتِ على نَمطٍ واحدٍ ، من غيرِ تبدّلٍ وتغيّرٍ ، فالأمورُ الثابتةُ لا تبتني على الاتّفاقاتِ الصّرفةِ .
الشرح
الركن الذي يريد الارتكاز عليه صاحب هذا الوجه هو ثبات نظام
الأنواع الواقعة في عالمنا هذا ، فهو أي هذا النظام لا يختلف ولا يتخلّف ، وكلّ ما لا يختلف ولا يتخلّف لا يكون لمجرّد الاتّفاق ، حيث إنّ الاتّفاق لا يكون دائميّاً ولا أكثريّاً ، حيث يختلف تارةً ، ويتخلّف أخرى ، وهذا يدلّ على الثبات وعدم التغيّر .
أمّا عدم اختلاف وتخلّف الأنواع فهو ثابت بالتتبّع والاستقراء ، فالإنسان يحصل من الإنسان ، والفرس من الفرس ، وإلّا لأمكن حصول الإنسان من غير الإنسان ، وهو باطل بالضرورة .
لقد صيغ هذا الوجه بصورة القياس الاستثنائي التالي :
لو لم تكن الأنواع تسير على نهج واحد ثابت ، لجاز وأمكن أن يحصل النخل من غير