تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر وإشكالية تعطيل الفعل الإنساني — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
هانوتو مزاعمه هذه انبرى له عبده مذكّراً له في البدء ما تحظى به عقيدة القضاء والقدر من عراقة : « هل نسي مسيو هانوتو أنّ البحث في القدر لم يختصّ بملّة من الملل ، وأنّ منشأ الكلام فيه هو الاعتقاد بإحاطة علم الله بكلّ شيء ، وشمول قدرته لكلّ ممكن ؟ » . ثمّ انعطف يقول : « وهل نسي أنّ الخلاف في المسألة قد عظم بين المسيحيّين أنفسهم قبل الإسلام واستمرّ إلى هذه الأيّام ؟ » . أوضح له بعد ذلك أنّ الإيمان بالقضاء والقدر لا يعني الإيمان بالمذهب الجبري كما يتوهّم الدارسون الغربيّون ، تبعهم على ذلك عدد من الشرقيّين : « اعتقد الإفرنج أنّه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر وبين الاعتقاد بمذهب الجبريّين بأنّ الإنسان مجبور جبراً محضاً في جميع أفعاله ، وتوهّموا أنّ المُسلِّمين بعقيدة القضاء والقدريين أنفسهم كالريشة في الهواء تقلّبها الريح كيفما تعمل . ومتى رسخ في نفوس قوم أنّه لا اختيار لهم في قول ولا عمل ولا حركة ولا سكون ، وإنّما جميع ذلك بقوّة جابرة وقدرة قاسرة ، فلا ريب تتعطّل قواهم ويفقدون ثمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى ، وتمحى من خواطرهم داعية السعي والكسب ، وأجدر بهم بعد ذلك أن‌يتحوّلوا من عالم‌الوجود إلى عالم الفناء .