تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وليست الشفاعة بالمضادّة ، بأن يبطل حكمه الأول بعد شموله له ، كإبطال الأسباب المتضادّة في الطبيعة بعضها حكم بعض بالمعارضة والغلبة في التأثير ، أو كما هو الحال في التخصيص الأصولى حيث يكون إخراجاً من الحكم مع دخول المخرج موضوعاً ؛ مثاله : لو قال : « كلّ مكلّف يجب عليه الصوم في شهر رمضان إلا المسافر » ، فالمسافر مكلّف ولا يجب عليه الصوم .

رجوع الشفاعة التشريعية إلى السببية

من هنا يظهر أن الشفاعة التشريعية من مصاديق السببية الوجودية ، فيكون حالها حال الأمور التكوينية في مجال التأثير ، حيث لا يؤثّر المقتضى في الأمور التكوينية بإيجاد المقتضى إلا إذا وجد المقتضى أولًا وتحقّق الشرط ثانياً ورُفع المانع ثالثاً ، حينئذ يتحقّق المقتضى في الخارج ، فلا تحرق النار الورقة مثلًا إلا إذا وجدت النار والورقة ، وحصل التماسُّ بينهما ، ولم تكن الورقة رطبة غير قابلة للاحتراق . على هذا فإن المقتضى للشفاعة وإن توفّر ؛ لأن الله دائم الفضل على البريّة ، ورحمته وسعت كلّ شئ وليست محظورة على أحد من خلقه وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( الإسراء : 20 ) وتوفر أيضاً الشفيع المأذون له ، إلا أنه لابدّ مع ذلك من كون القابل ( العبد المذنب ) الذي يستشفع له خالياً من الموانع التي تمنع تحقّق الشفاعة في حقّه ، وهذا ما عبّرنا عنه بشرط قابلية القابل . فإن المرآة وإن كانت لعكس صور الأشياء المنعكسة منها ، إلّا أنها لا تقوم بذلك إلا إذا كانت خالية من الرين والوسخ ، هكذا بعض الذنوب كالشرك فإنه رين ووسخ يمنع