وأجزائها والرابط بينها وبين المسبّبات هو الله سبحانه ، فهو الشفيع بالحقيقة الذي يتمّم نقصها ويقيم صُلبها ، فالله
سبحانه هو الشفيع بالحقيقة لا شفيع غيره .
وببيان آخر أدقّ سيأتي توضيحه في الأبحاث اللاحقة : إن أسماء الله الحسنى وسائط بينه وبين خلقه في إيصال الفيض إليهم ، ولازم ذلك أن جهات الخلقة وخصوصيات الوجود التي في الأشياء ترتبط إلى ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة . فالعلم والقدرة والرزق والنعمة التي عندنا بالترتيب . فجهلنا يرتفع بعلمه ، وعجزنا بقدرته ، وذلّتنا بعزّته ، وفقرنا بغناه ، وذنوبنا بعفوه ومغفرته .
وعلى هذا ، فما من شئ من المخلوقات المركّبة الوجود إلا ويتوسّط لوجوده عدة من الأسماء الحسنى بعضها فوق بعض وبعضها في عرْض بعض . وكلّ ما هو أخصّ منها يتوسّط بين الشئ وبين الأعمّ منها ، كما أن الشافي يتوسّط بين المريض وبين الرؤوف الرحيم ، والرحيم يتوسّط بينه وبين القدير في الشفاعة التكوينية وكما
تتوسّط الرحمة والمغفرة بينه وبين عبده المذنب لإنجائه من وبال الذنب وتخليصه من العذاب في الشفاعة التشريعية .
والتوسّط المذكور في الحقيقة تتميم لتأثير السبب فيه ، وإن شئت فقل هو تقريب للشئ من السبب لفعلية تأثيره ، وينتج منه أنه تعالى شفيع ببعض أسمائه عند بعض ، فهو الشفيع ليس من دونه شفيع في الحقيقة . وهذا معناه أن الشفيع حقيقة هو الله سبحانه كما دلّ عليه قوله قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ( الزمر : 44 )
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 60
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٦٠