ويقولون : إننا على ما بنا من ألوان البشرية المادّية وقذارات الذنوب والآثام لا سبيل لنا إلى ربّ الأرباب ؛ لطهارة ساحته وقدسها ، فمن الواجب أن نتقرّب إليه بأحبّ خلائقه إليه وهم أرباب الأصنام الذين فوّض الله إليهم أمر تدبير خلقه ، ونتقرّب إليهم بأصنامهم أو تماثيلهم ، وإنما نعبد الأصنام لتكون شفعاء لنا عند الله لتجلب إلينا الخير وتدفع عنّا الشر ، فتقع العبادة للأصنام حقيقة ، والشفاعة لأربابها .
ولو كان الاستشفاع بالأصنام عبادة لها في الحقيقة لما كان هناك مبرّر للإتيان بجملة أخرى أعنى قوله : وَيَقُولُونَ هؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا بعد قوله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إذ كان حينئذ تكراراً . والشاهد على ذلك عطف الجملة الثانية على الأولى الدالّ على المغايرة بينهما . إذن لا دلالة لهذه الآية على أن الاستشفاع بالأصنام كان عبادة ، فضلًا عن كون الاستشفاع بالأولياء المقرّبين عبادة لهم .
نعم ثبت بأدلّة أخرى غير هذه الآية بأن طلب الاستشفاع كان عبادة لهم ؛ وذلك لما ثبت أن المشركين كانوا يعتقدون بألوهيتها وربوبيّتها واستقلالها في الأفعال ، حيث يمكنها أن تشفع لمن تريد وكيفما تريد ، وأين هذا من المسلمين الذين لا يعتقدون بأن أولياءهم يملكون هذا المقام ، فهم يتلون آناء الليل وأطراف النهار قوله سبحانه : مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ( البقرة : 255 ) . ومع هذا التفاوت البيّن والفارق الواضح كيف يصحّ قياس هذا بذاك ؟
من هنا جاء تأكيد القرآن الكريم أن الأصنام لا تملك الشفاعة ؛ قال تعالى : وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 376
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٧٦