النفع والضرر إنما هما بإرادته سبحانه ، لذا قالت : قل لهم : إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ والضرّ كالمرض والشدّة ونحوهما ، وظاهر مقابلته الرحمة عمومه لكلّ مصيبة ، وإضافة الضرّ والرحمة إليه تعالى في كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ومُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ لحفظ النسبة ، لأن المانع من كشف الضر وإمساك الرحمة هو نسبتهما إليه
تعالى . وقوله قُلْ حَسْبِىَ أمر بالتوكّل عليه تعالى كما يدلّ عليه قوله بعده : عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ وهو موضوع موضع نتيجة الحجة كأنه قيل : قل لهم إني اتّخذت الله وكيلًا ، لأن أمر تدبيري إليه كما أن أمر خلقي إليه ، فهو في معنى قولنا : فقد دلّت الحجة على ربوبيّته وصدّقتُ ذلك عملًا باتّخاذه وكيلًا في أموري .
ومنها قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ( العنكبوت : 61 و 62 ) . تذكر هذه الآيات وما بعدها مناقضات في آراء المشركين ، فإنهم يعترفون أن خالق السماوات والأرض ومدبّر الشمس والقمر - وعليهما مدار الأرزاق - هو الله ثم يدعون غيره ليرزقهم .
ومنها قوله وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( لقمان : 25 )
إشارة إلى أنهم مفطورون على التوحيد معترفون به من حيث لا يشعرون ، فإنهم إن سُئلوا عمّن خلق السماوات والأرض اعترفوا بأنه الله عزّ
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 37
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٧