( العنكبوت : 43 ) . وعلى هذا يختلف الناس في تلقّيهم لهذه الأمثال على حسب اختلاف أفهامهم ، فمن سامع لا حظّ له منها إلا تلقّى ألفاظها وتصوّر مفاهيمها الساذجة من غير تعمّق فيها
وسبر لأغوارها ، ومن سامع يتلقّى بسمعه ما سمعه هؤلاء ثم يغور في مقاصدها العميقة ويعقل حقائقها .
في ضوء هذه الحقيقة نحاول الوقوف على مثلين ضربهما القرآن للشرك في الربوبيّة والتدبير :
المثل الأول : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ( الحج 73 - 74 ) .
« يعلن في الآفاق على الناس جميعاً إعلاناً مدوّياً عامّاً ، يعلن عن ضعف الآلهة المدّعاة ، الآلهة التي يتّخذها الناس من دون الله . إنه النداء العام والنفير البعيد الصدى يَا أَيُّهَا النَّاسُ . فإذا تجمّع الناس على النداء أعلنوا أنهم أمام مثل عام يضرب لا حالة خاصّة ولا مناسبة حاضرة ؛ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ . هذا المثل يضع قاعدة ويقرّر حقيقة : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ . كلّ من تدعون من دون الله من آلهة مدّعاة ، من أصنام وأوثان ومن أشخاص وقيم وأوضاع ، تستنصرون بها من دون الله وتستعينون بقوّتها وتطلبون النصر والجاه . . كلّهم لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ . والذباب صغير حقير ، لكن هؤلاء الذين يدعونهم آلهة لا يقدرون -
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 39
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٩