تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
ولو اجتمعوا وتساندوا - على خلق هذا الذباب الصغير الحقير ! وخلق الذباب مستحيل كخلق الجمل والفيل ، لأن الذباب يحتوى على ذلك السرّ المعجز ؛ سرّ الحياة ، فيستوى في استحالة خلقه الجمل والفيل ، ولكن الأسلوب القرآني المعجز يختار الذباب الصغير الحقير لأن العجر عن خلقه يلقى في الحس ظلّ الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل دون أن يخلّ هذا بالحقيقة في التعبير ، وهذا من بدائع الأسلوب القرآني العجيب ! ثم يخطو خطوة أوسع في إبراز الضعف المزرى ؛ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ : والآلهة المدعاة لا تملك استنقاذ شئ من الذباب حين يسلبها إياه ، سواء كانت أصناماً أو أوثاناً أو أشخاصاً ! ولو قال ( وإن تسلبهم السباع شيئاً لا يستنقذوه منها ) لأوحى ذلك بالقوّة بدل الضعف ، والسباع لا تسلب شيئاً أعظم مما يسلبه الذباب ، ولكنه الأسلوب القرآني العجيب ! » « 1 » . ويختم ذلك المثل بهذا التعقيب ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ومقتضى المقام أن يكون المراد بالطالب الآلهة وهى الأصنام المدعوّة ، فإن المفروض أنهم يطلبون خلق الذباب فلا يقدرون ، واستنقاذ ما سلبه إياهم فلا يقدرون ، والمطلوب هو الذباب حيث يطلب ليخلق ويطلب ليستنقذ منه ، وفى هذا المقطع بيان غاية ضعفهم ، فإنهم أضعف من أضعف ما يستضعفه الناس من الحيوانات التي فيها شئ من الشعور والقدرة .
هامش
( 1 ) في ظلال القرآن ، سيد قطب : ج 5 ص 628 دار إحياء التراث العربي .