الربوبيّة أو التدبير هو إيجاد الارتباط بين الأشياء ، والارتباط مرجعه إلى نحو الوجود ، وهذا أوجده الخالق ، وحيث إن الخالق واحد لا شريك له ، فالربّ والمدبّر أيضاً واحد لا شريك له ، وهو المطلوب . فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( الجاثية : 36 - 37 ) .
ومن الواضح أن هذا البيان يثبت أن الربوبيّة ليست شيئاً وراء الخالقية ، بل هي عينها ، وهما شئ واحد أو هي شأن من شؤونها ، وإن كنّا نفصل بينهما لأغراض الدراسة والبحث .
الوجه الثاني : الربوبية تستلزم الخالقية
ينطلق الوجه الثاني من أن مدبّر الأشياء لابدّ أن يكون واقفاً على أسرار وجودها ، لكي يستطيع أن يوصلها من خلال تدبيره لها إلى كمالها اللائق
وغايتها المنشودة ، ومن دون علمه الكامل بها لا يستطيع المدبِّر أن يمارس دوره في التدبير وأن يسوق كلَّ شئ إلى كماله . ومن المعلوم جداً أن الأَولى بالقيام بهذه المهمّة والنهوض بها على أتمّ وجه هو خالق الأشياء لا غيره ، بل إن الغير لا يستطيع أن ينهض بهذا الدور بكفاءة الخالق لها . فالخالق يعرف الأشياء وخصائصها وكنهها وجميع ما تنطوى عليه ، ومن ثم فهو المقدَّم على غيره في النهوض بأمر التدبير والربوبيّة ، وما دام الخالق واحداً فالمدبّر والربّ واحد أيضاً .
والفارق بين الوجهين في تقرير الدليل هو : أن الوجه الثاني تمّ فيه التعامل مع الربوبيّة كشىء والخالقية كشىء آخر ، لكن بالنحو الذي