تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
قلنا : تفاسد العلّتين تحت تدبيرين ، غير تفاسدهما تحت تدبير واحد ؛ ليحدّد بعضه أثر بعض وينتج الحاصل من ذلك ، وما يوجد من تزاحم العلل والأسباب الطبيعية في النظام المشهود هو من هذا القبيل ، فإن هذه العلل الراسمة لهذا النظام العام على اختلافها وتمانعها وتزاحمها لا يبطل بعضها فعّالية وتأثير بعض ، بمعنى أن ينتقض بعض القوانين الكلّية الحاكمة في النظام ببعض فيتخلّف عن مورده مع اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع ، فهذا هو المراد من إفساد مدبّر عملَ مدبّر آخر ، بل هذه الأشياء على ما بينها من الافتراس والانتهاش تتعاون في تحصيل الأغراض الإلهية ، ويتسببّ بعضها مع بعض للوصول إلى مقاصدها وغاياتها النوعيّة ، فمثلها مثل القدّوم والخشب فإنهما مع تنازعهما يتعاونان في خدمة النجّار في صنعة الباب مثلًا ، ومثل كفتى الميزان فإنهما في تعارضهما وتصارعهما يطيعان من بيده لسان الميزان لتقدير الوزن . كذلك أبطل القرآن دعوى الوثنيّين من خلال تسليمهم أن خالق هذا العالم هو الله ، فإن النزاع بينهم وبين الموحّدين لم يكن في أن واجب الوجود الموجود بذاته والموجد لغيره واحد لا شريك له ، ولم يكن في أن الخالق هو الله وحده لا شريك له ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ( الزخرف : 87 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( الزخرف : 9 ) وإنما النزاع في الإله بمعنى الربّ والمعبود ، فإنهم كانوا يدّعون أن الله أجلّ وأرفع ذاتاً من أن يحيط به عقولنا أو يناله أفهامنا ، فلا يمكننا التوجّه إليه بعبادته ولا يسعنا التقرّب منه بعبوديته والخضوع له ، والذي
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 32 | السيد كمال الحيدري