الربوبيّة وإبطال دعوى الوثنيّة بقوله : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( الزمر : 29 ) . وهو مَثَلٌ ضربه الله للمشرك الذي يعبد أرباباً وآلهة مختلفين فيشتركون فيه وهم متنازعون فيأمره هذا بما ينهاه عنه الآخر ، وكلّ يريد أن يتفرّد فيه ويخصّه بخدمة نفسه ، وللموحّد الذي خالص لمخدوم واحد لا يشاركه فيه غيره فيخدمه فيما يريد منه من غير تنازع يؤدى إلى الحيرة . فالمشرك هو الرجل الذي فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ، والموحّد هو الرجل الذي هو سلم لرجل ، لا يستويان ، بل الذي هو سلم لرجل أحسن حالًا من صاحبه . وهذا بيان تمثيلى ممكن الفهم لعامّة الناس .
لكن القرآن لم يكتفِ بهذا البيان لنفى تعدّد الآلهة والأرباب من دون الله ، وإنما بيّن هذه الحقيقة بياناً برهانياً في قوله تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( الأنبياء : 22 ) ، حيث استدلّ على
بطلان هذه الدعوى بأنه لو فرض للعالم آلهة وأرباب متعدّدون كربّ السماء وربّ الأرض وربّ الإنسان وهكذا وهم آلهة ، والله سبحانه إله الآلهة وخالق الكلّ ، لكانوا مختلفين ذاتاً متباينين حقيقة ، وتباين حقائقهم يقضى بتباين تدبيرهم فتتفاسد هذه التدبيرات وتفسد السماء والأرض ، لكن التالي باطل ، لأن النظام الجاري نظام واحد متلائم الأجزاء في غاياتها ، كما قال تعالى : الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 30
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٠