لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( التوبة : 113 ) وأما استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه مع أنه من المشركين فقد أجاب عنه القرآن الكريم بقوله : وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( التوبة : 114 ) .
وأما التوبة فإنها شافعة للإنسان
حتى من الشرك والكفر والنفاق ، وهذا ما يستفاد من مثل قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( الزمر : 53 ) وما يتراءى من تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( النساء : 48 ) إذ أخرجت هذه الآية الشرك ، فقد رفعته الآية اللاحقة لقوله : قُلْ لِعِبَادِىَ . . . حيث قالت : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ( الزمر : 54 ) حيث يتبين أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً لكن من خلال الإنابة والتوبة والرجوع إليه ، وبدون التوبة والإنابة لا مجال لغفران الذنوب جميعاً ؛ لما مرّ أن المغفرة الحاصلة بالشفاعة لا تنال الشرك بنصّ القرآن في آيات كثيرة .
هكذا يتّضح أن دور التوبة
بشرائطها أعظم بمراتب من دور غيرها من الشفعاء ، لكنها من ناحية أخرى أضيق ظرفاً من شفاعة الشفعاء الآخرين ، لأنها مختصّة بهذه النشأة ولا يمتدّ تأثيرها إلى الدار الآخرة كما تقدّم .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 285
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٥