نظيره حاكياً عن المجرمين يوم القيامة : وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( السجدة : 12 ) فهذه توبة لا تقبل من صاحبها لأن اليأس من الحياة الدنيا وهول المطّلع هما اللذان أجبراه على
أن يندم على فعله ويعزم على الرجوع إلى ربّه ولات حين رجوع حيث لا حياة دنيوية ولا خيرة عملية .
وأما كونها أفضل شفيع للإنسان مع وجود غيرها من الشفعاء كالملائكة والأنبياء عليهم السلام ، فلأن غيرها محدّد بحدود معيّنة لا تتعداها . فلا يتصور في الوجود شافع فوق أشفع الشافعين تبارك وتعالى ، ومع ذلك فإن شفاعته يوم القيامة لا تشمل من يموت مشركاً ؛ لقوله تعالى وقوله الحق : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( النساء : 48 ) . وأما ما دون أشفع الشافعين من الشفعاء فإن لشفاعتهم - كما عرفت - شروطاً وحدوداً لا يتعدّونها ، فهم لا يستغفرون إلا لمن ارتضى الله دينه ولا يشفعون إلا لمن كان بينه وبين الله عهداً .
من هنا خاطب الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وآله بشأن المنافقين اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( التوبة : 80 ) ولا يعنى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله كان يستغفر للكفار والمنافقين ، وإنما على فرض أنه صلى الله عليه وآله استغفر لهم فإن استغفاره لن ينفعهم ؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله . ومثل ذلك قوله تعالى : مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 284
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٤