فإن قلت : كيف يجتمع قوله تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا مع قوله سبحانه وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( الشورى : 5 ) .
قلنا : إن الاستغفار في حقّ المؤمنين هو بالرفع أي التجاوز عن سيّئاتهم ، ولمن في الأرض بالدفع ، وتوضيحه : أن سؤال الملائكة المغفرة لأهل الأرض إنما هو بحصول سببها وهو سلوك سبيل العبودية بالاهتداء بهداية الله سبحانه ، وهذا مرجعه إلى سؤال أن يشرّع لهم ديناً يغفر لمن تديّن به منهم . فالمعنى : والملائكة يسألون الله
سبحانه أن يشرع لمن في الأرض من طريق الوحي ديناً يدينون به فيغفر لهم بذلك . « ويشهد على هذا المعنى وقوع الجملة في سياق بيان صفة الوحي ، وكذا تعلّق الاستغفار بمن في الأرض ؛ إذ لا معنى لطلب المغفرة منهم لمطلق أهل الأرض حتى لمن قال : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ ( البقرة : 116 ) فالمتعيّن حمل سؤال المغفرة على سؤال سببها وهو تشريع الدين لأهل الأرض ليغفر لمن تديّن به » « 1 » .
قال الآلوسي في ذيل قوله تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ بالسعي فيما يستدعى مغفرتهم من ترتيب الأمور المقرّبة إلى الطاعة ، كالمعاونة في بعض أمور المعاش ودفع العوائق واستدعاء تأخير العقوبة طمعاً في إيمان الكافر وتوبة الفاسق ، وهذا يعمّ المؤمن والكافر » « 2 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 18 ص 11 .
( 2 ) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني : ج 14 ص 20 .