تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦

كلام في الآيات النافية للشفاعة

دلّت جملة من الآيات على نفى الشفاعة ، غير أن أكثرها إنما جاء في سياق نفى الشفاعة في نظام التكوين من دون الله ، وهى الشفاعة التي حاول الوثنيّون والمشركون أن يثبتوها لشفعائهم . فمنها : قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( يونس : 18 ) . ومنها : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ . . . ( سبأ : 22 - 23 ) . وليس المراد من الشفاعة في الآيتين شفاعة يوم القيامة ( الشفاعة التشريعية ) التي يثبتها القرآن الكريم كما سيتّضح ، فإن عبدة الأصنام ما كانوا يقولون بالمعاد والدار الآخرة وَقَالُوا إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( الأنعام : 29 ) بل الشفاعة في الدنيا ولأمورهم الدنيوية من جلب المنافع ودفع المضارّ والمخاوف عنهم ؛ لذا فإنهم اعتقدوا بأن أربابهم شفعاء لهم من دون الله لا في رفع العقاب وإيصال الثواب في الآخرة ، بل في إيصال الخير ودفع السوء والضرر ، فإن مرضوا طلبوا من أصنامهم الشفاء ، وإذا أرادوا خيراً قدّموا لأصنامهم أنواع القرابين لكي يجلبوا لهم - بزعمهم - الخير والنفع . وقد استدلّ عبدة الأصنام لما هم عليه من عبادة الأصنام للتقرّب بعبادتها إلى أربابها وبأربابها إلى ربّ الأرباب وهو الله سبحانه بقولهم : « إننا على ما بنا من ألوان البشرية المادّية وقذارات الذنوب والآثام لا سبيل لنا إلى ربّ الأرباب ؛ لطهارة ساحته وقدسها ولا شبه بيننا وبينه ؛ فمن الواجب أن نتقرّب إليه بأحبّ خلائقه إليه وهم أرباب الأصنام الذين فوّض الله إليهم أمر تدبير خلقه ( نظرية التفويض المعتزلي ) ونتقرّب إليهم بأصنامهم وتماثيلهم ، وإنما نعبد الأصنام لتكون شفعاء لنا عند الله لتجلب إلينا الخير وتدفع عنّا الشرّ ، فتقع العبادة للأصنام حقيقة والشفاعة لأربابها وربما نسبت إليها » « 1 » . غير أن خواصّ الوثنيّة قصروا العبادة على الأرباب من الملائكة وغيرهم واتّخذوا الأصنام قبلة وذريعة إلى التوجّه إلى أربابها ، لكن لمّا طال الزمن تصوّر عامّتهم أن المعبود هو نفس هذه الأصنام لا الموجودات اللامحسوسة التي تشير إليها ، فعبدوها وقدّموا لها القرابين وطلبوا الشفاعة منها لقضاء حوائجهم وجلب النفع ودفع الضرر .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 10 ص 30 .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 26 | السيد كمال الحيدري