الشفاعة والسببية عن كلّ شئ إلّا من بعد إذنه هو لإفادة التوحيد في الخالقية والتوحيد في التدبير والربوبيّة ، فلا خالق إلّا هو اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ ( الرعد : 16 ) كما لا مدبّر إلّا هو الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( الحمد : 2 ) ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( السجدة : 5 ) ، فما يتراءى في صفحة الوجود من الخلق والتدبير فليس على ظاهرهما ، وإنما تقوم سائر العلل بالخلقة والتدبير مستمدّاً من حوله وقوّته ، فيرجع معنى الآية إلى أنه لا مؤثّر في الكون إلّا من بعد إذنه .
إذا اتّضح ما قلناه فلا يناسب حمل الشفاعة في الآية على الشفاعة التشريعية التي تدور حول التكاليف والتشريعات وعصيان العباد ومخالفتهم لها ، ثم توسيط الشفعاء لغفران ذنوبهم وحطّ سيّئاتهم .
فهذه الآيات ونظائرها تثبت وجود
شفاعة في نظام التكوين ووجود شفعاء مأذون لهم من قبل الله تبارك وتعالى أن يتوسّطوا بينه وبين غيره لنشر رحمته التي لا تنفد ونعمته التي لا تحصى إلى خلقه وصنعه .
المدبّرات أمراً
ولعلّ من أهمّ هذه الوسائط هم الملائكة الذين عبّر عنهم القرآن الكريم بقوله فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ( النازعات : 5 ) حيث جعلهم رسلًا أولى أجنحة الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِى أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ( فاطر : 1 ) الظاهر بإطلاقه في أنهم