أوّل النوم ، والنوم هو الركود الذي يأخذ حواسّ الحيوان ؛ لعوامل طبيعية تحدث في بدنه . ونفى استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير ، وإثبات لكمال العلم ، فإن السنة والنوم يشبهان الموت ، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس .
وتقديم السِنة على النوم - مع أنه خلاف الترتيب الذي تقتضيه البلاغة لأن المقام مقام الترقىّ ، والترقّى في الإثبات إنما هو من الأضعف إلى الأقوى كقولنا : فلان يقدر على حمل عشرة أمنان بل عشرين منّاً ، وفى النفي بالعكس كما نقول : لا يقدر فلان على حمل عشرين بل ولا عشرة ، فكان ينبغي أن يقال : لا تأخذه نوم ولا سنة - فهو لبيان هذه النكتة وهى : لما كان أخذ النوم أقوى تأثيراً وأضرّ على القيّومية من السِنة ، كان مقتضى ذلك أن ينفى تأثير السنة
وأخْذها أوّلًا ، ثم يترقّى إلى نفى تأثير ما هو أقوى منها تأثيراً ، ويعود معنى لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ إلى مثل قولنا : لا يؤثّر فيه هذا العامل الضعيف بالفتور في أمره ولا ما هو أقوى منه .
لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ تقرير لانفراده بالإلهية ، إذ جميع الموجودات مخلوقاته ، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة ، لأن من كانت جميع الموجودات مِلكاً له تعالى فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألّا يهملها ، ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها .
واللام للمِلك ، والمراد من السماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات ، فقد دلّت الجملة على عموم
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 21
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢١