الطبيعية ، حيث آمنت أن هناك طولية في الفاعلية ، ولعلّ هذا ما يقتضيه الجمع بين الآيات ، فالله سبحانه أوجد بعض الأفعال مباشرة وبلا واسطة ، وبعضاً أوجدها مع الواسطة ، بالمعنى الذي يفيد أن لهذه الواسطة أثراً في إيجاد الفعل لكن بإقدار الله ، وهذا الإقدار لا يستقلّ بالأثر بل هو محتاج إليه سبحانه حدوثاً وبقاءً . فالله جلّ جلاله لا يمنح القدرة
للسبب الطبيعي ثم ينعزل ، بل تتّسم العلاقة بالدوام ، لأن ذلك السبب قائم به حدوثاً وبقاءً ككلّ شئ في نظام عالم الوجود الإمكانى ، وهذا معنى أنه تعالى « حىّ قيّوم » .
في ضوء هذه الحقيقة استعمل القرآن الشفاعة في مورد التكوين ، وأراد بها توسّط العلل والأسباب بينه تعالى وبين مسبّباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها . فكلّ سبب من الأسباب يشفع عند الله لمسبّبه بالتمسّك بصفات فضله وجوده لإيصال نعمة الوجود إلى مسبّبه ، فنظام السببية بعينه ينطبق على نظام الشفاعة .
الآيات الدالّة على الشفاعة التكوينية
الآية الأولى : اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . . . ( البقرة : 255 ) .
ولكي تتّضح دلالة الآية ؛ هل الشفاعة
الواردة فيها هي التكوينية فقط أم الأعمّ من التكوينية والتشريعية ، لابدّ من الوقوف على بعض المقاطع التي سبقت قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ .