الذين قالت عنهم الآيات السابقة على هذه الآية قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ( المدثر : 43 - 47 ) هذه الآيات واقعة في سورة المدثّر وهى من السور النازلة بمكة في بدء البعثة كما ترشد إليه مضامين الآيات الواقعة فيها ، ولم يشرع يومئذ الصلاة والزكاة بالكيفية الموجودة اليوم ، فالمراد بالصلاة في قوله لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ التوجّه إلى الله تعالى بالخضوع العبودي ، وبإطعام المسكين مطلق الإنفاق على المحتاج في سبيل الله ، دون الصلاة والزكاة المعهودتين في الشريعة الإسلامية ، والخوض هو الغور في ملاهي الحياة وزخارف الدنيا الصارفة للإنسان عن الإقبال على الآخرة وذكر الحساب يوم الدين ، أو التعمّق في الطعن في آيات الله المذكّرة ليوم الحساب المبشّرة
المنذرة ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ والمراد به اليقين الحاصل بحقيقة يوم الجزاء بمشاهدة آيات الآخرة ومعاينة الحياة البرزخية حين الموت وبعده .
ومن الواضح أن التلبس بهذه الصفات الأربع وهى ترك الصلاة لله تعالى وترك الإنفاق في سبيل الله والخوض وتكذيب يوم الدين ، يؤدى إلى انهدام أركان الدين . فمن الطبيعي جداً أن لا تنفعهم شفاعة الشافعين ؛ لما سيأتي من الشرائط التي لابدّ من توافرها في المشفوع له .
وبهذا تكون الآية من قبيل ما ورد في قوله تعالى : وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 206
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٠٦