الفريقين يكفّر الآخر . وقد بلغت مغالاتهم في هذا المجال إلى درجة أنهم زعموا أن النار لا تمسّهم إلا أيّاماً معدودة وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ( البقرة : 80 ) وكذلك كانوا يعتقدون بأن أنبياءهم وأسلافهم سوف يشفعون لهم وينجّونهم من العذاب سواء كانوا عاملين بشريعتهم أم عاصين متجاوزين .
من هنا حاول القرآن إبطال جميع هذه المدّعيات والأوهام :
فقال في دعواهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً : قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( البقرة : 111 - 112 ) والأماني : جمع أمنية وهى ما يتمنّاه المرء ولا يدركه .
وأجاب عن زعمهم أنهم لا يدخلون النار إلا أيّاماً معدودة بقوله : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( البقرة : 80 ) أي هل عهد الله إليكم ذلك ووعد به فكان حقّاً لكم عنده لأن الله لا يخلف العهد ؟
قال الطبري : « لما قالت اليهود ما قالت من قولها : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قال الله لنبيه : قل يا محمد لمعشر اليهود : أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً أي أأخذتم بما تقولون من ذلك من الله ميثاقاً ؟ فالله لا ينقض ميثاقه ولا
يبدّل وعده وعقده ، أم تقولون على الله الباطل جهلًا وجرأة عليه » « 1 » . والاستفهام للإنكار ؛ لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى
هامش
( 1 ) تفسير الطبري المسمّى جامع البيان في تأويل القرآن ، لأبى جعفر محمد بن جرير الطبري : ج 1 ص 427 ، مركز الكتاب العلمي ، القاهرة ، ط 2 ، 1418 ه .