وينتهى إلى الحاكم ، على عكس النظام السائد في الشفاعة الأخروية .
إن حقيقة الشفاعة الدنيوية ليست إلا نوع تفرقة في تطبيق القانون ، حيث إن نفوذ الشفيع ومكانته عند الحاكم يوجبان مغلوبية إرادته وغالبية إرادة الشفيع ، فتصبح النتيجة أن يجرى القانون في حقّ الضعيف الذي لا يجد شفيعاً دون القوىّ الذي يجد ذلك . وهذا بخلاف الشفاعة المصطلحة قرآنيّاً فإن الشفيع لا يحمّل إرادته على مشيئة الله ولا تخضع سنته الحكيمة لإرادة أحد وطلبه ولا يوجب التفرقة في التطبيق ، بل غاية هذه الشفاعة هي جريان مغفرته وفيضه عن طريق أوليائه إلى عباده ، فلو حرم البعض منها فليس ذلك لأجل نفاد رحمته التي وسعت كلّ شئ ، بل لأجل عدم استحقاقه وقابليته لها . فعندما يقول الحقّ سبحانه إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بهِ وعندما يؤكد القرآن أن الشفاعة
لا تتحقّق إلا بإذنه سبحانه للشفيع وارتضائه للمشفوع له ، فليس ذلك إلّا لأجل أن المرضىّ هو اللائق دون غيره ، فلو حرم المشرك من شفاعة الأنبياء أو حرم بعض العصاة منها فليس ذلك إلّا لعدم لياقتهم واستحقاقهم لهذا العطاء الإلهى ، فيرجع الأمر في حيققته إلى عدم قابلية القابل لقبول الفيض لا لضيق في فاعلية الفاعل وجوده وإحسانه وفضله .
ثانياً : لو سلّمنا وفرضنا أن الآية كانت بصدد نفى الشفاعة المصطلحة في الآخرة ، فهي مع ذلك مختصّة بالكافرين ؛ وذلك لقرينة داخلية وهى قوله تعالى وَلَا خُلَّةٌ فإن الظاهر من هذه الكلمة انقطاع أواصر الصداقة يوم القيامة مطقاً من غير فرق بين المؤمن والكافر ، مع
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 197
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٩٧