مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ( الحديد : 15 ) فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدى به من العذاب ، وإما بمعنى قدّموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شئ من المال .
والمراد من الخلّة : المودّة ، حيث تتقطع جميع هذه الأسباب الدنيوية وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ( البقرة : 166 ) وكذلك الأنساب فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ ( المؤمنون : 101 ) . والسبب في ذلك أن تلك النشأة تختلف في
قوانينها الحاكمة عليها عن هذه النشأة وَنُنْشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ ( الواقعة : 61 ) فيجىء الإنسان وحده ولا يكون معه شئ مما حصله في الدنيا .
أما الفروق بين الشفاعة المتعارفة بين الناس في الدنيا والشفاعة التي حاولنا إثباتها في الآخرة فهي :
إن زمام الشفاعة الأخروية هي بيد الله سبحانه ؛ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( الانفطار : 19 ) فهو الذي يبعث الشفيع - لقربه إلى المولى وكرامته وعلوّ منزلته عنده - حتى يشفع في حقّ المجرم الذي له قابلية شمول المغفرة الإلهية ، فتكون النتيجة أن رحمته الواسعة ومغفرته العميمة تصل من طريق الشفيع إلى عباده ، وعليه فالأمور كلّها بيده سبحانه وناشئة منه وراجعة إليه . وهذا على خلاف النظام السائد في الوساطات المتعارفة بين الحكّام في الحياة الدنيا ، إذ المجرم فيها هو الذي يبعث الشفيع ليشفع عند الحاكم بحيث لولاه لما تقدّم الشفيع بالشفاعة والوساطة عند
الحاكم . فالأمر هنا يبدأ من المجرم ويصل إلى الشفيع
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 196
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٩٦