تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
إذ من المحقّق أن النبىّ صلّى الله عليه وآله لا ينسى القرآن ولم ينسه ، وإنما جاء هذا الاستثناء لإفادة بقاء القدرة الإلهية على إطلاقها ، وأن هذه العطية وهى الإقراء بحيث لا ينسى لا ينقطع عنه سبحانه بالإعطاء بحيث لا يقدر بعدُ على إنسائك ، بل هو باقٍ على إطلاق قدرته له إن يشاء إنساءك متى شاء وإن كان لا يشاء ذلك . وكذلك قوله تعالى : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( هود : 108 ) فإنه من المعلوم أن الاستثناء الوارد في الآية غير متحقّق أبداً ، فإنهم مخلّدون فيها . نعم يدلّ الاستثناء على الإمكان أي إمكان إخراجهم من الجنة معلناً بأن دخولهم الجنّة لا يلازم نفى القدرة الإلهية على إمكان إخراجهم منها ، فيكون الاستثناء مسوقاً لإثبات قدرة الله المطلقة وأن قدرته سبحانه لا تنقطع عنهم بإدخالهم الجنة الخالدة ، وسلطنته لا تنفد ، وملكه لا يزول ولا يبطل ، وأن الزمان بيده وقدرته ، وإحاطته باقية على ما كانت عليه قبل ، فله تعالى أن يخرجهم من الجنة وإن وعَدَ لهم البقاء فيها دائماً ، لكن تعالى لا يخرجهم ؛ لمكان وعده ، والله لا يخلف الميعاد . فكأنّ ما ذكر في هذه الآيات من التعليق على المشية الإلهية ردّ على ما ادّعاه الفكر اليهودي أن الله سبحانه عندما قدّر الأمور في علمه الذاتي منذ الأزل ، فإن القلم قد جفّ بما قدّر ، ولا يمكن لله نفسه أن يغيّر ما قدّر ، كما يعبّر القرآن عن ذلك بقوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ( المائدة : 64 ) حيث ترجع هذه الدعوى بالتحليل إلى تقييد القدرة الإلهية وتحديدها ، وهو ما يتعارض