تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
وما رتّبه الله تعالى من أمر السعادة والشقاوة ثم خاطب النبىّ صلى الله عليه وآله بقوله : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَىْءٍ ( النحل : 89 ) . لكنّها جميعاً قوانين كلية ضرورية ، إلا أنها ضرورية لا في أنفسها وباقتضاء من ذواتها ، بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة واللزوم ، وإذا كانت هذه الحكومة العقلية القطعية من جهته تعالى وبأمره وإرادته ، فمن البيّن أن فعله تعالى لا يجبره تعالى على مؤدّى نفسه ، ولا يغلبه في ذاته ، فهو سبحانه القاهر الغالب ، فكيف يغلبه ما ينتهى إليه تعالى من كلّ جهة ويفتقر إليه في عينه وأثره ( ذاته وفعله ) . فمن المحال أن يكون العقل الذي يحكم بما يحكم بإفاضة الله ذلك عليه أو تكون الحقائق التي إنما وجدت أحكامها وآثارها به تعالى ، حاكمة عليه تعالى مقتضية منه بالحكم والاقتضاء اللذين هو المُبقى لهما القاهر عليهما . وبعبارة أخرى : ما في الأشياء من اقتضاء وحكم إنما هو أثر التمليك الذي ملّكه الله إياها ، ولا معنى لأن يملك شىءٌ بالملك الذي ملّكه الله بعينه منه تعالى شيئاً ، فهو تعالى مالك على الإطلاق غير مملوك بوجه من الوجوه أصلًا » « 1 » . ولأجل ذلك اتّفقت كلمة الفلاسفة والمتكلّمين إلا من شذّ من المعتزلة على أنه لا مؤثّر مستقلّ في الوجود إلا الله تعالى ، وأنّ غيره مفتقر في الوجود والتأثير إليه سبحانه ، ضرورة أنها لو كانت هذه الأسباب والفواعل الطبيعية مستقلّة في التأثير ، للزم أن تكون مستقلّة في الوجود أيضاً ؛ لبداهة أن الاستقلال في العلّية فرع الاستقلال في
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 6 ص 254 .