تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
لا جزماً بحصوله بحيث يتجرّأ على محارم الله ، وبين مخافة العذاب لكن لا يقيناً من وقوعه بحيث ييأس من رحمة الله . وقد أشارت العديد من الآيات والروايات إلى هذه الحقيقة القرآنية ، فمن الآيات قوله تعالى : أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ( الأعراف : 97 - 99 ) . فمن اطمأن بالنجاة وعدم شمول العذاب والمكر الإلهى له فهو من الخاسرين ؛ لأنه تعالى بيّن في الآيتين الأوليين أن الأمن من مكر الله نفسه مكر إلهي يتعقّبه العذاب الإلهى ، فالآمنون من مكر الله خاسرون لأنهم ممكور بهم بهذا الأمن بعينه . وفى قبال ذلك يقع قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام قال : يَا بَنِىَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ( يوسف : 87 ) . « الرَّوْح بالفتح فالسكون ، النَفَس أو النَفْس الطيب ، ويكنّى به عن الحالة التي هي ضد التعب وهى الراحة ، وذلك أن الشدّة التي فيها انقطاع الأسباب وانسداد طرق النجاة تتصور اختناقاً وكظماً للإنسان ، وبالمقابلة الخروج إلى فسحة الفرج والظفر بالعافية تنفسّاً ورَوْحاً ؛ لقولهم : يفرّج الهمّ وينفّس الكرب ، فالروح المنسوب إليه تعالى هو الفرج بعد الشدّة بإذن الله ومشيّته ، وعلى من يؤمن بالله أن يعتقد أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا قاهر لمشيته ولا معقّب لحكمه . وليس له أن ييأس من روح الله ويقنط من رحمته فإنه تحديد لقدرته