لأجل غايات تربوية تترتّب على ذلك التشريع والاعتقاد به ، وذلك لأن الاعتقاد بالشفاعة المقيّدة بشروط معقولة سيوافيك بيانها من شأنه بعث الأمل في نفوس العصاة وأفئدة المذنبين ، يدفعهم إلى العودة عن سلوكهم الإجرامى وإعادة النظر في منهج حياتهم ويمسكهم عن الاستمرار والتمادي في ما هم عليه من التمرّد والعصيان ، وذلك لأنهم إذا رأوا
أن الرجوع عن منتصف الطريق الباطل إلى طريق الصواب والحقّ سينقذهم مما يترتّب على أفعالهم السيّئة التي ارتكبوها مدة من عمرهم ، اغتنموا الفرصة بتغيير وضعهم وتعديل سلوكهم إلى ما فيه رضا ربّهم .
وهذا الاعتقاد - بالرغم مما اعترض عليه من جانب بعضٍ بأنه يوجب الجرأة ويحيى روح التمرّد في العصاة والمجرمين - يتسبب في إصلاح سلوك المجرم ويقظته وإنابته والتخلّى عمّا يرتكبه من آثام ويقترفه من ذنوب .
وتظهر حقيقة الحال إذا لاحظنا مسألة التوبة التي اتّفقت عليها الأمّة ونصّ بها الكتاب الكريم : قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ( الزمر : 53 - 54 ) فإنه لو كان باب التوبة موصداً في وجه العصاة والمذنبين ، واعتقد المجرم بأن عصيانه
مرة واحدة أو مرات سيخلّده في عذاب الله ولا مناص له منه ، فلا شك أن هذا الاعتقاد يوجب التمادي في اقتراف السيّئات وارتكاب الذنوب ، لأنه يعتقد بأنه لو غيّر وضعه وسلوكه في مستقبل أمره لا يقع ذلك مؤثّراً في مصيره وخلوده في عذاب الله ، فلا وجه لأن يترك المعاصي ويغادر
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 175
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٧٥