سيستمرّ في عمله الإجرامى إلى آخر حياته رجاء تلك الشفاعة التي لا تخضع لضابط أو قانون ولا تتقيّد بقيد أو شرط .
وأما الشفاعة التي نطق بها القرآن وأقرّت بها الأحاديث واعترف بها العقل فهي الشفاعة المحدودة بشرائط في المشفوع له والشافع ، ومجمل تلك الشرائط هو أن لا يقطع جميع علاقاته العبودية مع الله ووشائجه الروحية مع الشافعين ولا يصل تمرّده إلى حد القطيعة ونسف الجسور . فالاعتقاد بهذا النوع من الشفاعة مثل الاعتقاد بتأثير التوبة في الغفران حقيقة وأثراً .
ولعلّ في التشريعات الجنائية السائدة في المجتمعات البشرية ما يشبه ذلك أيضاً ، حيث يسمح للمسؤولين بأن يعفوا عن السجناء أو يقلّلوا من مدة عقوباتهم إذا هم غيّروا سلوكهم وأظهروا الندامة والتوبة . وهذا القانون ليس من شأنه أن يبعث على الجرأة والعناد بل من شأنه أن يدفع
السجين إلى أن يصلح نفسه ويعدّل سلوكه ويحقق في نفسه شرائط استحقاق العفو والتخفيف على أمل أن ينطبق عليه القانون ويشمله العفو .
وبهذا يتّضح أن مبدأ الشفاعة الذي نطق به القرآن الكريم ، ليس فقط لا يؤدى إلى التجرّى والإصرار على التمرّد ، بل هو من أهمّ الأسباب الداعية للإصلاح والتربية ، لأن فيه حفظاً لروح الرجاء من الانخماد والركود ، فإن الإنسان لا يستقيم سيره الحيوي إلا بالخوف والرجاء المتعادلين حتى يندفع عما يضرّه وينجذب إلى ما ينفعه ، ولولا ذلك لهلك . من هنا يمكن أن يقال أن لازم عدم تشريع الشفاعة هو
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 177
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٧٧