رحيم ، فالإرادة إرادة أخرى لحدوث معلوم آخر لا لتجدّد علمه سبحانه . من هنا قالت الآية : يَسْأَلُهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ ( الرحمن : 29 ) فمن السماوات والأرض سؤال دائم وهو سؤال حاجة لأنهم في حاجة من جميع جهاتهم إليه تعالى ، فهم متمسّكون بذيل غناه وجوده أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ
( فاطر : 15 ) ومنه تعالى الجواب الدائم كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ وتنكير « شأن » للدلالة على التفرّق والاختلاف ، فالمعنى : كلّ يوم هو تعالى في شأنٍ غير ما في سابقه ولاحقه من الشأن . فمن يسأله يجيبه تبارك وتعالى على مقتضى سؤاله : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ( إبراهيم : 34 ) فإن سأله التوبة أجابه بمقتضى « الغفور الرحيم » وإن سأله العقاب بالعصيان أجابه بمقتضى « شديد العقاب » .
فتحصّل إلى هنا أن الشفاعة ورفع العقاب ليس من تغيّر الإرادة والعلم في شئ ، وإنما التغيّر في المراد والمعلوم ، فهو سبحانه يعلم أن الإنسان الفلاني سيتحوّل عليه الحالات ، فيكون في حين كذا على حال كذا لاقتران أسباب وشرائط خاصّة فيريد فيه بإرادة ، ثم يكون في حين آخر على حال آخر يخالف الأول ؛ لاقتران أسباب وشرائط أخر فيريد فيه بإرادة أخرى ، لأنه تعالى كلّ يوم هو في شأن . نعم تغيّر العلم والإرادة المستحيل
عليه تعالى هو بطلان انطباق العلم على المعلوم والإرادة على المراد مع بقاء المعلوم والمراد على حالهما وهو الخطأ والفسخ ، مثل أن ترى شبحاً فتحكم بكونه إنساناً ثم يتبين أنه ليس كذلك فيتبدّل العلم ، أو تريد أمراً لمصلحة ما ثم يظهر لك أن المصلحةعلى خلافه فتنفسخ إرادتك ، وهذان غير جائزين في مورده تعالى .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 163
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٣