على هذا يتّضح أن الشفاعة لا توجب اختلافاً في علمه وتغييراً في إرادته تعالى ، لأن اختلاف الحكم بالشفاعة في مورد العاصي من قبيل اختلاف الحكم حسب اختلاف الموضوع .
وبذلك يتّضح الجواب عن الأوامر الامتحانية أيضاً والحكمة الكامنة فيها ، فإن الأمر الصادر من الله تعالى تارة يكون جدّياً وأخرى امتحانياً ، ولكلّ غايته وهدفه الخاصّ ، فالهدف من الأوامر الجدية هو وصول المكلّف إلى ما يترتّب على فعله من المصالح التي تقع في طريق وصوله إلى القرب الإلهى ، كإقامة
الصلاة لأجل الانتهاء عن الفحشاء والمنكر وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ( العنكبوت : 45 ) وإتيان الصيام للوصول إلى التقوى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة : 183 ) .
وأما الأوامر الامتحانية فليس الهدف منها إلا جعل العبد في مقام الامتحان والابتلاء حتى يستظهر ما عنده من الصفات النفسانية الكامنة كالإطاعة والشجاعة والسخاء والعفّة والعلم والوفاء أو مقابلاتها ، ولذلك لا يكون الابتلاء إلا بعمل ، فإن الفعل هو الذي به تظهر الصفات الكامنة من الإنسان دون القول الذي يحتمل الصدق والكذب ؛ قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى ( البقرة : 249 ) .
ولعلّ من أوضح المصاديق التي ذكرها القرآن للأوامر الامتحانية هو أمره
تعالى لإبراهيم الخليل عليه السلام أن يذبح ولده ؛ قال تعالى :
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 164
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٤