تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
يحتاجه في الشهر الآخر ، فمن الواضح هنا أن علم الطبيب لم يتغيّر ، وإنما الذي يتغيّر هو المعلوم الذي يمثّله حال المريض ، فهذا علم بالتغيّر . وأما تغيّر العلم فهو ما إذا بطل انطباق العلم على المعلوم مع بقاء المعلوم على حاله ، كمن يرى من بعيد شيئاً ما فيتوهّمه إنساناً ، ولكن ما إن يقترب منه حتى يتبيّن له بأنه فرس مثلًا ، فعلمٌ مثل هذا علمٌ متغيّر ، مع ثبوت المعلوم الذي هو الفرس في الحالتين . ومثله ما لو غيّر الطبيب الدواء الذي أعطاه لمريضه فلم يشفه فبدّله إلى غيره . والخلاصة أنه في العلم بالتغيّر يكون العلم ثابتاً وإنما يتغيّر المعلوم ، بخلافه في تغيّر العلم فإن المعلوم يبقى ثابتاً ويحصل التغيّر في العلم . في ضوء هذا التمييز إذن : المستحيل على الله تعالى هو تغيّر علمه ، وأما علمه بالتغيّر فهو أمر جائز في حقّه تعالى ، من هنا فلو علم الحقّ سبحانه من زيد مثلًا أنه إذا فعل المعصية فهو يستحقّ العقوبة ، لكن إذا ضمّ إليها التوبة أو الشفاعة فلا يستحقّ تلك العقوبة ، فهنا لم يتغيّر علم الله تعالى ، بل بقي علمه للعاصي هو هو ، وعلمه للعاصي مع التوبة هو هو ، وعلمه للعاصي مع الشفاعة هو هو ، غير أن له تعالى في كلّ حالة أثراً وحكماً يختلف عما له في الحالات الأخرى . وبها يجاب عما تقدّم من الموارد التي أشرنا إليها في النقض أيضاً . ببيان آخر : إن الله سبحانه وطبقاً للعلم الذي كان يعلمه من زيد بما هو عاصٍ كان يريد له العقوبة ، لأنه شديد العقاب ، وفى العلم الذي كان يعلمه منه بما هو عاصٍ تائب كان يريد العفو عنه لأنه غفور