فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَا بُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَا ذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ( الصافات : 101 - 109 ) .
فإبراهيم الخليل عليه السلام وإن كان يملك كمالًا بالقوّة وهو ترك ما سوى الله في طريق التحقّق بالتوحيد الخالص وهو الذي يلقى الله عزّ وجلّ وليس فيه أحد سواه ، إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( الصافات : 84 ) لكن هذا الكمال كان مكنوناً في ذاته مركوزاً في وجوده ، فأراد الله سبحانه إظهار ذلك الكمال
وإبرازه من مكمن وجوده إلى ساحة الفعلية والتحقّق ، فأمره بذبح الولد فامتثل الخليل لذلك وأظهر أنه يؤثر طاعته سبحانه على كلّ ما يملك من العواطف القلبية لولده العزيز ، فعند ذلك تفتّح ذلك الكمال وبلغ منصّة الظهور وتحقّقت الغاية من الأمر الإلهى .
ومن الواضح أن الحكم الثاني في قوله تعالى : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ليس ناقضاً للحكم الأول في قوله : إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ لأنهما حكمان على موضوعين مختلفين ، فالخليل الواجد للكمال بالقوّة مخاطب بذبح الولد ، والخليل الواصل إلى هذه الذروة من التوحيد مخاطب بحكم آخر وهو التفدية عنه بذبح عظيم .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 165
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٥