تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ( الشورى : 30 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ( النساء : 149 ) . ببيان آخر : إن خروج الإنسان في مثل هذه الموارد من دائرة حكم ودخوله في دائرة حكم آخر ، هو خروج موضوعىّ على نحو التخصّص لا على نحو التخصيص وحفظ الموضوع ، فإن رفع العقاب بواسطة الشفاعة إنما يغاير الحكمَ الأول فيما ذكر من العدل والظلم لو كان نقضاً للحكم الأول وذلك بحفظ الموضوع واختلاف الحكم ، وقد مرّ أنه ليس كذلك ، بل أثر الشفاعة بالحكومة لا المضادّة فيها إخراج المجرم عن كونه مصداقاً لشمول العقاب بجعله مصداقاً لشمول الرحمة من صفات أخرى له تعالى من عفو ومغفرة وإحسان وفضل . فالإنسان مع عدم الشفاعة يقتضى نحواً من المحاسبة والجزاء ، ومع الشفاعة يقتضى نحواً آخر من المحاسبة والجزاء ، فموضوع الحكم الأول ( الإنسان مع الشفاعة ) غير موضوع الحكم الثاني ( الإنسان بدون الشفاعة ) . فهما موضوعان لحكمين مختلفين ، لا موضوع واحد لحكمين متناقضين . وشبيه ما تقدّم « الإنسان مع التوبة » فله جزاء وحساب ، وبدونها له حساب وجزاء آخر ، وكلا الأمرين عدل كما هو واضح . والخلاصة : إن الموضوع لو كان محفوظاً ومع ذلك تغيّر حكمه من العقوبة إلى اللاعقوبة لكان ذلك نقضاً للعدل ، وليست الشفاعة كذلك ، لأن أثرها ليس بالمضادّة ونقضاً للحكم الأول ، بل أثرها بالحكومة على ما سبق بيانه .