تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
نبيّهم وأولئك الذين جاءوا يحملون شياهاً قد ظلموا في حملها ، كلّ هؤلاء قد بذرت لهم بذور الشفاعة ولكنهم حرموا أنفسهم ثمرتها بتفريطهم فيها جزاءً وفاقاً ، فإذا قيل إنه يشفع في أهل الكبائر أو في زيادة الحسنات للمحسنين ، فقد دخل ذلك كلّه في هذا الذي أوضحته لك . وهذا التفسير الذي اخترته للشفاعة كما جمع بين الأقوال كلّها والأحاديث ونظام الله عزّ وجلّ في ملكه وآيات القرآن وعدل الله سبحانه وتعالى ، هكذا يناسب ما يجب أن تكون عليه الأمّة الإسلامية في مستقبل الزمان ، عندها يفهمون قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ( الزلزلة : 7 و 8 ) وقوله : اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( الإسراء : 14 ) ويعرفون أنه عزّ وجلّ عدل ، ولن يخرج من بذر القمح إلا القمح ولا من النواة إلا ما كان من جنسها . هكذا بنو آدم في الآخرة كلٌّ يوضع في المكان الذي استحقّه ولا يقدر أن يتجاوزه على حسب الأخلاق التي اكتسبها ، وفى الحديث « يحشر المرء على ما مات عليه » وفى الآية وَمَنْ كَانَ فِى هذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِى الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( الإسراء : 72 ) . والحاصل : لو أن أعظم الملوك قدراً وأكثر الأغنياء مالًا أحضر أساطين الحكماء وأكابر العلماء لولده الغبىّ وأغدق عليهم النعم ليصير عالماً لم يقدروا على ذلك ، أما هو فيقدر أن يفيض المال على أىّ فقير فيصير غنياً في الحال . فشفاعة الأنبياء ليست من قبيل الهبات المالية ولا الوظائف الإدارية ، وإنما هي نفحات علمية وأخلاق حكمية وآداب نبوية ، فمن فَقِه ما قالوه واتّبع ما رسموه واستثمر من بذور الشفاعة ما
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 115 | السيد كمال الحيدري