الثانية : إن الشفاعة الواردة في الآيات والروايات تختص بدفع العقاب قبل وجود ما يوجبه ، لا رفع العقاب الثابت على المجرمين يوم القيامة بعد ثبوت الجرم ولزوم العقاب .
توضيح ذلك : إن الشفاعة التي يقولها صاحب هذا الاتجاه تعنى أن نزول الشريعة على الأنبياء عليهم السلام وتعليمهم إيّاها للناس وهدايتهم إلى العمل الصالح وبيانهم سبل التوبة والعمل بها ، كلّ ذلك يكون سبباً لدفع العقوبة قبل أن تثبت في حقّ هذا العبد أو ذاك ، لا أنها - أي العقوبة - سوف تتحقّق وكتبت له ثم ترفع عنه يوم القيامة بشفاعة
الشفعاء .
وهذا يعنى أن الشفاعة المصطلحة تعنى تخليص العصاة يوم القيامة من عواقب أعمالهم وآثار معاصيهم وأفعالهم ، بخلاف هذا التفسير للشفاعة فإنها توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة حتى يستحقّ ما يوجب العقوبة .
وإن شئت قلت : إن الشفاعة الأولى نتيجتها تخليص العبد بعد زلّته وعثرته وبعد وقوعه في المهالك والمهاوى ، لكن الشفاعة الثانية تمنع عن وقوع العبد في المهالك وزلّته إلى المهاوي . فالأولى من قبيل الرفع والثانية من قبيل الدفع ، والفرق بينهما واضح ؛ فإن الرفع يمنع المقتضى عن التأثير بعد وجوده ، والدفع يمنع عن وجود المقتضى وتكوّنه ، وهذا معناه أن الدفع هو حسم أسباب الذنب وعدم الإعداد لها رأساً لا إزالة آثارها بعد حصولها .
ولاشكّ أن ظرف هذا النحو من الشفاعة التي يقوم بها الأنبياء
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 117
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٧