فهم الدليل فذلك مقبول ويندرج ضمن العملية الاجتهادية ، كما هو الحال في الخلاف الواقع بين أعلام الفريقين في آية الوضوء ، فأعلام مدرسة أهل البيت ( ع ) قاطبةً يقولون بوجوب المسح على الرجلين ، في حين يرى مُعظم أعلام مدرسة الخلفاء بلزوم الغسل ، وكلاهما يستدلّ بنفس آية الوضوء ، وأمّا إذا وقع الاجتهاد في أمر خارج النصوص والأدلّة الشرعية فهو عمل بالرأي الشخصي ، فإذا كان هنالك نصّ عالج موضوع الحكم سُمّي ذلك بالاجتهاد في مقابل النصّ ، وإلّا فهو عمل بالرأي لا غير ، ويُعتبر الاجتهاد في مقابل النصّ من أسوأ أنواع العمل بالرأي الباطل .
ومن نماذج الاجتهاد في مقابل النصّ : ما وقع في موضوع الطلاق ، فقد نزل قرآن به ، وهو قوله تعالى : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . . . ( البقرة : 229 ) ، وبين الطلاقين رجعتان معلومتان ، فإن طلّقها بعد ذلك ثالثة حرمت عليه ؛ لقوله تعالى : فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ . . . ( البقرة : 230 ) ، ولكن القوم قالوا بتحقّق الطلاق ثلاثاً في واقعة واحدة وبكلمة واحدة ، كأن يقول الزوج : زوجتي طالق بالثلاث .
إنَّ هذا اجتهاد صريح في مقابل النصّ ، بل هو لعب بكتاب الله تعالى ، على حدّ تعبير رسول الله ( ص ) في رجل فعل ذلك « 1 » .
هامش
( 1 ) روى النسائي بأن رسول الله ( ص ) قد أُخبر عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً ، فقام غضباناً ، ثم قال : ( أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) ، حتى قام رجل وقال : يا رسول الله ألا أقتله . انظر : سنن النسائي : ج 6 ، ص 142 .
علماً بأنَّ هذا النوع من الطلاق الواقع في مجلس واحد كان معدوداً طلاقاً واحداً على عهد رسول الله والخليفة الأوّل وسنتين من خلافة الثاني ، حيث أبطل الأخير قول النبيّ ( ص ) بقوله : ( إنَّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كان لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ) فأمضاه عليهم . انظر : صحيح مسلم : ج 4 ، ص 184 ، ح 1472 ، كتاب الطلاق . .