وبهذا المثال يتّضح أنّ الموجودات الخارجية تتميّز ببعدين : مشترك ومختصّ ، يعبّر عن العنصر المشترك بالوجود ، وعن المختصّ بالماهية .
بيدَ أنّ هذا التحليل عقلىّ ، إذ ليس أمامنا في الواقع الخارجي إلّا هذا الإنسان ، ولا يتجزّأ الإنسان خارجياً إلى إنسان ووجود ، بل وجوده وإنسانيّته في شئ واحد ، وهكذا الحال بالنسبة إلى الأمثلة الأخرى .
على المنوال ذاته الذي يكشف عن ضرب آخر من ضروب التحليل العقلي ، ما يقوم به الذهن في وصف الكمال حينما يجزّئ حال زيد مثلًا وأنّه واجد بعض الكمالات وفاقد لبعضها الآخر . فمثل هذا الوصف يعبِّر عن زيد وكأنّه مركّب من وجدان بعض الأشياء وفقدان بعضها الآخر ، إذ له مثلًا درجة من العلم وليس له درجات أخرى منه ، ومن ثَمَّ فهو عالم بما يعلم ، وجاهل بما يجهل ؛ أي له درجة من الكمال ودرجة من النقصان ، فهو إذن مركّب من وجدان كمال وفقدان كمال آخر .
هذا أيضاً ضرب من التركيب ، وهناك أقسام أخرى لا مجال لاستعراضها في هذه الوجيزة .
في ضوء هذه المقدّمة عن التركيب سيكون السؤال : هل الله سبحانه مركّب تركيباً خارجياً على نحو ما عليه العناصر المعدنية والمركبات الكيميائية ؟ أم هل هو مركّب ذهني بحسب التحليل العقلي ؛ كأن يكون مركّباً من جنس وفصل ، أو من ماهية ووجود ، أو من وجدان وفقدان ؟
مهمّة التوحيد الأحدى أن يثبت بساطة الحقّ سبحانه وأنّه غير مركب لا على نحو التركيب الخارجي ولا على نحو التركيب الناتج عن التحليل الذهني والتجزئة العقلية .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 90
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٩٠