وفى التحليل العقلي ذاته يرسو الذهن على مواصفات تميّز هذا الإنسان عن غيره ويختصّ بها دون بقيّة الموجودات . فبهذه المواصفات يتميّز هذا الإنسان عن باقي أفراد النوع ، وعن بقيّة الأنواع التي تدخل تحت جنس واحد .
عندما ننظر إلى محمد وعلى فهذان فردان ، ولكنّهما يدخلان تحت حقيقة واحدة يعبَّر عنها بالإنسان ، فالإنسان نوع وهذان فردان لذلك النوع . أمّا إذا وضعنا اليد على الإنسان بمختلف أفراده وأصنافه وطبقاته ، ووضعنا أيدينا على الغنم فنجد أنّ هذين النوعين مشتركان في حقيقة واحدة ، هي التي يعبَّر عنها اصطلاحاً ب « الجنس » . فالجنس هو الجهة المشتركة بين الإنسانية والغنمية في هذا المثال .
أمّا « الفصل » فيعبِّر عن جهة الاختصاص والتميّز ، لذلك عندما نقول إنّ الإنسان حيوان ناطق ، فإنّ الحيوانية هي الجنس والناطقية هي الفصل .
ما يلحظ في هذا النوع من التركيب هو عدم وجود اثنينية في الخارج كما كان الحال في التركيب الخارجي الذي مثّلنا له بالجدار والبياض ، أو كما هو الحال في المركبات الكيميائية والعناصر المعدنية وغير ذلك من المركبات المتعدّدة خارجياً ، إنما العقل هو الذي استطاع أن يحلّل هذا الشئ إلى جنس وفصل .
من الأمثلة الأخرى على هذا النمط من التحليل ما يقوم به العقل من تجزئة الشئ الخارجي إلى حيثية يعبَّر عنها بالوجود ، وحيثية أخرى يعبَّر عنها بالماهية . نظير أن نقول : « الإنسان موجود » ، و « السماء موجودة » ، و « الأرض موجودة » . فالوجود هنا محمول عليها جميعاً ، وله واقعية ، وهذا ما يعبِّر عن جهة الاشتراك بين هذه الموجودات جميعاً . ولكن في مقابل العنصر المشترك الذي يمثّله الوجود هناك جهة اختصاص ، فهذا إنسان وذاك بقر ، وهذه أرض
وتلك سماء وهكذا .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 89
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٨٩