تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
لذلك ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « كلّ أوّل غيره فهو ليس بآخر ، وكلّ آخر غيره ليس بأوّل » لأنّ الشئ إذا صار أوّل لا يمكن أن يكون آخر ، وإذا صار آخر فليس بأوّل ، إلّا الله سبحانه وفى ضوء مبدأ الوحدة الحقّة الحقيقية . وإذ نفهم الأولية والآخرية هنا بالنسبة إلى الإنسان في حركته ، فيمكن تقريب ذلك بالموت أيضاً . فقد ذكر الفلاسفة في أحد تعاريفهم للموت أنّه الانقطاع إلى الله . فالإنسان مشغول في هذه النشأة بالأمور المادّية والدنيوية ، بيدَ أنّه ينقطع عنها بالموت ويتّجه إلى الله سبحانه ، أي يعود إليه لأنّه غايته ، فيكون في مساره الوجودي قد بدأ منه وانتهى إليه ، فهو الأوّل وهو الآخر . هذه القراءة قدّمها أبو حامد الغزالي في كتابه « المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى » الذي يُعدّ من الكتب القيّمة في هذا المجال . يذكر الغزالي في هذا الكتاب أنّ الأوّل يكون أوّل بالإضافة إلى شئ ، والآخر يكون آخر بالإضافة إلى شئ ، وهما ضدّان لا يجتمعان ، إذا كان أوّل فليس بآخر ، وإذا كان آخر فليس بأوّل ، فلا يُتصوّر أن يكون الشئ الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شئ واحد أوّل وآخر جميعاً ، لأنّهما صفتان متضادتان . بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتّبة ، فالله تعالى بالإضافة إليها أوّل ، إذ الموجودات كلّها استفادت الوجود منه ، وأمّا هو فموجود بذاته وما استفاد الوجود من غيره ، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت مراتب منازل السائرين إليه فهو آخر ؛ بحسب سلسلة الصعود . فبحسب قوس النزول هو الأوّل ، وبحسب قوس الصعود إليه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ « 1 » هو آخر ما ترتقى إليه درجات
هامش
( 1 ) فاطر : 10 .