أوّل لأوّليته ولا آخر لآخريته .
يمكن تقريب هذا الضرب من التفسير عرفياً بحركة الإنسان ، فإنّه يتحرّك من نقطة وينتهى إليها بنفسها ، ومع ذلك يطلق على نقطة الانطلاق الأولى وصفَ الأولى ، وعلى الثانية وصف الأخيرة مع أنّهما نقطة واحدة .
والمسألة تبدو أوضح في الدائرة ، فحينما تريد أن ترسم دائرة فإنك تبدأ من نقطة ثم تنتهى إلى النقطة نفسها ، والنقطة التي بدأت منها ثم انتهيت إليها هي واحدة ، لكن تطلق على مبدأ الانطلاق وصف الأوّل ، وعلى النهاية وصف الآخر . والأوّل والآخر يتعلّقان هنا بالإنسان ذاته لا بالنقطة ، فبحسب حركة الإنسان صار هناك أوّل وآخر ، وإلّا ليس في النقطة أوّل ولا آخر .
هكذا الحال بالنسبة إلى الله ، إذ لا أوّل له ولا آخر ، إنّما يرتبط الأمر بحركة الإنسان نفسه الذي يبتدئ من الله وينتهى إليه
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
« 1 » فهو سبحانه الغاية . لذلك اشتهر عن العرفاء قولهم : إنّ الغايات هي الانتهاء إلى البدايات . فالأوّل أوّل نسبة إلى حركة الإنسان ومسيرته ، والآخِر صار آخِر بالنسبة إليه أيضاً ، فالإنسان هو الذي يتحرّك بين مدارى البداية والنهاية ، في حركة غايته منها الرجوع إلى الله ، كما في قوله تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
« 2 » وقوله سبحانه :
إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى
« 3 » وقوله سبحانه :
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ
« 4 » .
وهكذا تفهم الأولية والآخرية كصفتين إضافيتين بالنسبة إلى الإنسان نفسه ، أمّا لو كان في الله أوّل وآخِر لصار محدوداً ، لأنّ أوّله غير آخره وآخره غير أوّله ؛
هامش
( 1 ) البقرة : 156 .
( 2 ) المؤمنون : 115 .
( 3 ) العلق : 8 .
( 4 ) الانشقاق : 6 .