تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
أوّل لأوّليته ولا آخر لآخريته . يمكن تقريب هذا الضرب من التفسير عرفياً بحركة الإنسان ، فإنّه يتحرّك من نقطة وينتهى إليها بنفسها ، ومع ذلك يطلق على نقطة الانطلاق الأولى وصفَ الأولى ، وعلى الثانية وصف الأخيرة مع أنّهما نقطة واحدة . والمسألة تبدو أوضح في الدائرة ، فحينما تريد أن ترسم دائرة فإنك تبدأ من نقطة ثم تنتهى إلى النقطة نفسها ، والنقطة التي بدأت منها ثم انتهيت إليها هي واحدة ، لكن تطلق على مبدأ الانطلاق وصف الأوّل ، وعلى النهاية وصف الآخر . والأوّل والآخر يتعلّقان هنا بالإنسان ذاته لا بالنقطة ، فبحسب حركة الإنسان صار هناك أوّل وآخر ، وإلّا ليس في النقطة أوّل ولا آخر . هكذا الحال بالنسبة إلى الله ، إذ لا أوّل له ولا آخر ، إنّما يرتبط الأمر بحركة الإنسان نفسه الذي يبتدئ من الله وينتهى إليه إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ « 1 » فهو سبحانه الغاية . لذلك اشتهر عن العرفاء قولهم : إنّ الغايات هي الانتهاء إلى البدايات . فالأوّل أوّل نسبة إلى حركة الإنسان ومسيرته ، والآخِر صار آخِر بالنسبة إليه أيضاً ، فالإنسان هو الذي يتحرّك بين مدارى البداية والنهاية ، في حركة غايته منها الرجوع إلى الله ، كما في قوله تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ « 2 » وقوله سبحانه : إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى « 3 » وقوله سبحانه : يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ « 4 » . وهكذا تفهم الأولية والآخرية كصفتين إضافيتين بالنسبة إلى الإنسان نفسه ، أمّا لو كان في الله أوّل وآخِر لصار محدوداً ، لأنّ أوّله غير آخره وآخره غير أوّله ؛
هامش
( 1 ) البقرة : 156 . ( 2 ) المؤمنون : 115 . ( 3 ) العلق : 8 . ( 4 ) الانشقاق : 6 .