حادثاً أيضاً لاحتاج إلى
خالق ، فلم يكن خالقاً بل كان مخلوقاً ، ولم يكن غنيّاً بل كان فقيراً . إذن ، لما كانت مخلوقاته حادثة فهو ليس بحادث ، إذ ليس كمثله شئ .
ومن هذا النصّ العلوىّ ( الدالّ على قدم الله تعالى بحدوث خلقه ) نفهم حقيقة أنّ المراد بالأزلية هو القدم ، لأنّه هناك جعل القدم في قبال الحدوث ، وهنا جعل الأزلية في قبال الحدوث .
وإذ يتّضح أنّ المراد من الأزلية هو القدم ، لكن ليس القدم الزمانىّ ، لأنّ الزمان هو للأمور المادّية والجسمانية ، والله سبحانه ليس بمادّة أو مادّى ، وليس بجسم ولا جسمانىّ ؛ لهذا يقول الإمام أمير المؤمنين :
« سبق الأوقاتَ كونُه ، والعَدَمَ وجودُه ، والابتداءَ أزلُه » « 1 » .
فلو نظرنا لأىّ موجود لرأينا أنّه كان مسبوقاً بعدم ثم صار موجوداً ، حتى لو قلنا بقدم الفيض كما هو عليه مبنى العرفاء وكثير من الفلاسفة ، بل مشهور الفلاسفة أنّ الفيض الإلهى قديم ، كما يقول الحكيم السبزوارىّ في وصفه في هذا البيت :
والفيض منه دائم متصّل والمستفيض داثر وزائل
لو قلنا بذلك أيضاً ، فإنّ كلّ موجود حتى الصادر الأوّل مسبوق بعدم ، ولكنه ليس بالضرورة عدماً زمانياً .
أمّا وجوده سبحانه فإنّه سابق على العدم ، لا أنّ عدمه سابق على وجوده
« سبق الأوقاتَ كونُه ، و [ سبق ] العَدَمَ وجودُهُ ، و [ سبق ] الابتداءَ أزلُهُ »
فأزله سبحانه سابق على كلّ شئ .
وهذا ما يفسّر لنا طبيعة الكلام الذي دار بين أمير المؤمنين عليه السلام والحبر اليهودىّ ، عندما جاء الحبر إلى الإمام وسأله : « يا أمير المؤمنين
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 186 ، ص 273 .