تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
الحقيقية هو فاتح هذه المنطقة من المعرفة الإلهية التي كانت مغلقة قبل الإسلام ، وظلّت هكذا من بعده برغم كثافة نصوص أئمّة أهل البيت ولاسيّما الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . ما يُستشفّ من البحث الفلسفي لفلاسفة ما قبل الإسلام وممّن تصدّى للمعارف الإلهية من فلاسفة المسلمين حتّى فترة متأخّرة من العصر الإسلامي أنّهم على السواء يذهبون إلى أنّ وحدة الله سبحانه هي وحدة عددية ، حيث يسجّل باحث متضلّع في هذا المضمار نتائج تَقصّيه بقوله : « لذلك ترى المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديم واليونان وإسكندرية ، وغيرهم ممّن بعدهم ، يعطى الوحدة العددية ، حتى صرّح بها مثل الرئيس أبى علي بن سينا في كتاب الشفاء ، وعلى هذا المجرى يجرى كلام غيره ممّن بعده إلى حدود الألف من الهجرة النبوية . وأمّا أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطى أزيد من الوحدة العددية أيضاً ، مع أنّ هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامّة » « 1 » . والنقطة الدقيقة التي تتركها هذه الحصيلة هي أنّ العقل الإنسانى لو تُرك وشأنه بعيداً عن نور الوحي وهدى السماء لما انتهى إلى أكثر من الوحدة العددية ؛ ما يشير إلى أنّ للعقل منطقة معرفية لا يتعدّاها بإمكاناته المستقلّة ، ويحتاج إن رام أن يرتقى أعلى منها إلى مَن يأخذ بيده . في العصر الإسلامي كان القرآن الكريم كما أسلفنا هو الذي فتح هذه المنطقة المغلقة ، حيث سارت بموازاته بيانات مدرسة أهل البيت عليهم السلام وعلى رأسهم سيِّد الموحدين الإمام علىّ بن أبي طالب عليه السلام . بيدَ أنّ المفارقة أنّ هذا المجال بقي مع ذلك مؤصداً لم تزدهر في حقله نظرات المسلمين ولم تتفتّح إلّا بعد قرون ؛ ما يكشف عن حصيلتين اثنتين :
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 104 .