تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
ومواصفاتها الأخرى أنّها لا ثاني لها ، ولكن ليس معنى ذلك أنّه لا يمكن أن يوجد لها ثان ، فالآن ليس لها ثان أمّا في المستقبل فقد يوجد لها ثان . يمكن أن نقرّب الصورة أكثر من خلال مثال من الألوان : فلو صار الشئ أبيض ، لا يمكن أن يكون أسود في الوقت ذاته بحيث يجتمع البياض والسواد على شئ واحد . وعدم الإمكان هذا لا يقتصر على اللحظة هذه بل هو يشمل الماضي ويسرى إلى المستقبل ، فمن المحال أن يكون الشئ أبيض وأسود في آن واحد لا فيما سبق ولا حاضراً ولا فيما سيأتي ، وهذا ما يُطلق عليه في اللغة العلمية باستحالة اجتماع الضدّين . كذلك حال الوجود والعدم ، فالشىء كزيد مثلًا لا يمكن أن يكون موجوداً ومعدوماً في الوقت نفسه ، لا حاضراً ولا في الماضي ، كما يستحيل أن يتحقّق هذا الأمر مستقبلًا . وفى وحدانية الله سبحانه هل المراد أنّه لا يوجد له ثان فعلًا ؟ أم استحالة أن يكون له ثانٍ أصلًا . الاعتقاد الصحيح أن نؤمن بصفتنا موحِّدين باستحالة أن يكون لله ثان . وهذا لا يتحقق إلّا برفض أن تكون وحدته وحدة عددية ، وإلّا فلو كانت وحدته سبحانه عددية فإنّ من خواص هذه الوحدة التكرّر والإضافة ، ومن ثمّ يمكن أن يقع التعدّد ، فلا محذور من حيث الإمكان . وذلك بعكس الوحدة الحقّة الحقيقية التي لا تقبل الإضافة والتكرّر ، لأنّ الواحد فيها سنخ واحد لا نهاية له لكي يقبل الثاني ، ويكون له ثان .

د . الفتح المعرفى القرآني

ثَمّ دعوى للقرآن في هذا الشأن يقابلها تنويعات في مواقف الفلاسفة والمتكلّمين والعرفاء في طبيعة الوحدة التي يتّصف بها الله ، أهي وحدة عددية أم وحدة غير عددية ؟ فالقرآن الكريم فيما ذهب إليه من الوحدة الحقّة
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 53 | السيد كمال الحيدري