ثمَّ في مقابل الذات أمر آخر يعبَّر عنه بالصفات . فلو أخذنا الهوية الإنسانية كمثال ، فإنَّ لها مجموعة من الصفات ، فتارة يكون الإنسان عالماً وأخرى لا يكون ، وتارة يكون شجاعاً وتارة لا يكون ، وتارة يكون رحيماً وأخرى لا يكون ، وهكذا . يعبَّر عن هذه الخصال بصفات الإنسان ، والفرق بين الذات والصفة أنّ الذات إذا فقدت تلك الحقيقة المقوِّمة لها فلن تبقى بل تتغيّر وتفقد هويّتها ، بخلاف الصفة ؛ فالإنسان إنسان سواء أكان عالماً أم لم يكن .
الأمر نفسه ينطبق على مثال الماء ، فالبرودة والحرارة هما صفتان من صفاته ، إذ قد يبرد الماء وقد يكون حارّاً ، ولكن لو ارتفعت الحرارة والبردوة فلا ترتفع حقيقة المائية عن الماء ، لأنّها متقوّمة بشئ آخر ، وهذا معناه أنّ الصفة شئ غير الذات .
وهذه المقولة تصحّ ما دام الحديث يدور حول الموجودات الممكنة الحادثة ، أمّا في الواجب سبحانه فإنّ صفاته عين ذاته كما سيجىءُ تفصيله في بحث التوحيد الصفاتى إن شاء الله .
ممّا مرَّ يتبيّن أنّ الصفة هي عبارة عن تلك الهيئات والأمور التي قد توصف بها ذات من الذوات وقد لا توصف . وفرق الصفة عن الذات أنّ الصفة سواءً كانت موجودة أو رُفعت تبقى الذات على حالها ، أي تبقى للموجود هويّته بما هي عليه دون أن يطرأ عليها تغيير .
لكن ثَمَّ نسق ثالث يدخل في تركيبة الإنسان بالإضافة إلى الذات
والصفات . فعلاوة على أنّ الإنسان حيوان ناطق من صفاته أنّه عالم ، جاهل ، شجاع ، جبان ، بخيل ، جواد ، رحيم ، قاس وما إلى ذلك ، فإنَّ له أفعالًا تُنسب إليه كالقيام والجلوس والنوم واليقظة والأكل والشرب ونحوها . وبذلك ينتهى المركب الإنسانى إلى ذات وصفات وأفعال .
في ضوء هذه المقدّمة يتبيّن أنّ الحديث عندما يجرى عن توحيد الله
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 47
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٧