تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
ولو لاحظنا في عملية المقارنة عنصر النمو لرأيناه لا يختصّ بالإنسان وحده ، بل هو عنصر مشترك موجود في الحيوان والنبات أيضاً . كذا الحال لو انطلقنا من عنصر التحرّك الإرادى فيما يقال عن الإنسان في المنطق من أنّه جسم حسّاس متحرّك بالإرادة ، فإنّ هذا أيضاً لا يختصّ بالإنسان وحده بل الحيوانات هي الأخرى موجودات متحرّكة بتحرّك إرادىّ ؛ لذلك راح المناطقة والفلاسفة يبحثون عمّا يميّز الإنسان عن غيره فيما وراء هذه العناصر المشتركة ، فاستقرّوا على النطق ، عندما ذكروا في حقيقة الإنسان أنّه حيوان ناطق . ومع اختلافهم في تحديد المراد من النطق ؛ أهو القابلية على التكلّم والحديث ، أم القابلية على إدراك المفاهيم الكلية ؟ بعبارة أخرى : أهو أمر مرتبط بنطق الإنسان وتكلّمه اللساني ، أم بتعقّله وإدراكه ؟ بغضّ النظر عن هذا كلّه ، وسواء كان المراد هذا أو ذاك ، فقد اتّفقوا على أنّ ما يميِّز الإنسانَ عن غيره من الموجودات كالحجر والشجر والبقر والغنم والسماء والأرض لا يتمثّل في عناصره الجسمية أو النموّ أو الحركة الإرادية ونحو ذلك ، وإنّما يكمن بتلك الحقيقة التي أطلقوا عليها خاصّة النطق . هذه الحقيقة التي تميِّز الإنسان عن غيره هي التي يعبَّر عنها بهويّة الإنسان وذاته ، ومن أهمّ خصائصها أنّها لو أُخذت من الإنسان وسُلبت عنه لما بقي إنساناً ، لأنّ إنسانيته متقوّمة بها . يمكن توضيح المسألة بالماء ، فحقيقة الماء أنّه مركّب من عنصرين هما الأوكسجين والهيدروجين ، ولو سُلب منه أحد هذين العنصرين لما بقي ماءً ، ومعنى ذلك أنّ حقيقة الماء مركّبة من هذين العنصرين ، كذلك حقيقة الإنسان وهويّته فهي أيضاً قائمة ومختصّة بالخصلة التي يعبِّر عنها المناطقة ب « الناطقية » وهذه الخصوصية هي التي يعبَّر عنها ب « الذات » .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 46 | السيد كمال الحيدري