الطريف أنّه ليس في الرواية ذكر لأمر ثانٍ وثالث ، لأنّه من أحكم أساس التوحيد وأوثق عراه يكون قد أحكم كلّ شئ ، ولا يحتاج إلى شئ آخر .
فبالتوحيد تعرف النبوّة ، فإذا عرف الله توصّل إلى معرفة الرسول ، ومعرفة الرسول توصل الإنسان إلى معرفة الإمام . ولذلك جاء في دعاء المعرفة :
« اللهم عرّفنى نفسك ، فإنّك إن لم تعرّفنى نفسك لم أعرف رسولك ، اللهم عرّفنى رسولك فإنّك إن لم تعرّفنى رسولك لم أعرف حجّتك ، اللهم عرّفنى حجّتك فإنّك إن لم تعرّفنى حجّتك ضللتُ عن ديني » « 1 » .
وهذه المنهجية تعكس بحسب المناطقة الطريق اللمّى لا الطريق الإنّى .
فالنمط الأعلى من الشيعة هم من أحكمَ أساس التوحيد ، بيدَ أنّ ما يبعث على الأسف في واقعنا المعاصر أنّ الإنسان بل حتّى طالب العلم الديني يعرف كلّ شئ إلّا التوحيد ؛ بزعم أنّه يكفيه أن يعرف بأنّ الله واحد ، غافلًا عن أنّ هذا أمر يعرفه حتى وثنيّة العرب ووثنيّة البراهمة والبوذية والصابئة !
لقد كنتُ أراجع بحثاً تاريخياً عن الوثنيّة في نشوئها وتطوّر أفكارها
وفرقها ، فرأيت أنّ معارف البراهمة تضمّ بين دفّتيها حتى لفظ
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
، ما يعنى أنّهم يعترفون أنّه ليس كمثل الله شئ ، بيد أنّهم تبنّوا من المعتقدات ما جعلهم وثنيّين « 2 » .
وعندما تجلس إلى المسيحيين تراهم لا يعدّون أنفسهم مشركين ، والقرآن يقرّ هؤلاء في أصحاب الديانات التوحيدية بيد أنّه يسم واقعهم بالشرك ، وهذا
هامش
( 1 ) مفاتيح الجنان ، الطبعة المعربة ، دار إحياء التراث العربي ، ص 588 .
( 2 ) ينظر بحث السيد الطباطبائي عن نشأة الوثنية وتياراتها عند الصابئة والبرهمية والبوذية والعرب : الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 10 ، ص 287 275 .