تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
حادثاً فإنّه يحتاج إلى محدث . فما تعتقد بوحدته العددية فهو ليس الله ، لأنّ الله لا يحتاج إلى من يخلقه ، وإذا احتاج فهو ليس الله . بتعبير آخر : إذا بطل أزله صار حادثاً ، وإذا صار حادثاً احتاج إلى من يحدثه ، وعندئذ سيكون مخلوقاً لا خالقاً . لو رجع الإنسان إلى نفسه ، بل لو رجعت أكثرية البشرية الموحّدة إلى نفسها ، لرأت أنّ التصوّر الذي يسكن ذهنها عن واحدية الله يتمثل بالوحدة العددية ، وذلك على غرار أن نقول : هذا الكتاب واحد . ومعنى الوحدة العددية أنّه بالمقدور أن يضاف إلى هذا الواحد واحد فيكونا اثنين ، ثم يضاف إليهما واحد آخر فتكون ثلاثة ، وهكذا . إنّ الأعداد مهما كبرت فهي تعود إلى الواحد ، وتنشأ من مضاعفة الواحد . فما الخمسة إلّا تكرار الواحد خمس مرّات ، والعشرة ما هي إلّا تكرار الواحد عشر مرّات . ومن جهة أخرى ، إنّ من خصائص الأعداد أنّه لا يمكن بلوغ الرقم اللاحق إلّا إذا انتهى الرقم السابق . فما لم ينتهِ الاثنان لا يمكن الوصول إلى الثلاثة . ومتى تصل إلى الأربعة ؟ عندما تنتهى الثلاثة ، وإلى الخمسة ؟ عندما تنتهى الأربعة . وهكذا . فما لم يكن للسابق حدّ محدود لا تصل النوبة إلى اللاحق ، وإلّا إذا كان السابق لا حدَّ له فلا تصل النوبة إلى الذي بعده . يقول الإمام أمير المؤمنين : « ومن أشار إليه فقد حدَّه » فهو هنا موجود وهناك غير موجود ، فهو إذن محدود ، أمّا إذا لم يكن محدوداً فلا تمكن الإشارة إليه . يضيف في التسلسل المنطقي ذاته : « ومن حدَّه فقد عدَّه » وإذا عدَّه فقد أبطل أزله . فإذا ما اعتقد الإنسان بأنّ الله واحد عددىّ فقد حدده ، وإذا حدَّده فقد أشار إليه ، وإذا أشار إليه فقد جهله ، مع أنّ المفروض أنّ « أوّل الدين معرفته » كما يقول