حادثاً فإنّه يحتاج إلى محدث . فما تعتقد بوحدته العددية فهو ليس الله ، لأنّ الله لا يحتاج إلى من يخلقه ، وإذا احتاج فهو ليس الله .
بتعبير آخر : إذا بطل أزله صار حادثاً ، وإذا صار حادثاً احتاج إلى من يحدثه ، وعندئذ سيكون مخلوقاً لا خالقاً .
لو رجع الإنسان إلى نفسه ، بل لو رجعت أكثرية البشرية الموحّدة إلى نفسها ، لرأت أنّ التصوّر الذي يسكن ذهنها عن واحدية الله يتمثل بالوحدة العددية ، وذلك على غرار أن نقول : هذا الكتاب واحد .
ومعنى الوحدة العددية أنّه بالمقدور أن يضاف إلى هذا الواحد واحد فيكونا اثنين ، ثم يضاف إليهما واحد آخر فتكون ثلاثة ، وهكذا .
إنّ الأعداد مهما كبرت فهي تعود إلى الواحد ، وتنشأ من مضاعفة الواحد . فما الخمسة إلّا تكرار الواحد خمس مرّات ، والعشرة ما هي إلّا تكرار الواحد عشر مرّات . ومن جهة أخرى ، إنّ من خصائص الأعداد أنّه لا يمكن بلوغ الرقم اللاحق إلّا إذا انتهى الرقم السابق . فما لم ينتهِ الاثنان لا يمكن الوصول
إلى الثلاثة . ومتى تصل إلى الأربعة ؟ عندما تنتهى الثلاثة ، وإلى الخمسة ؟ عندما تنتهى الأربعة . وهكذا .
فما لم يكن للسابق حدّ محدود لا تصل النوبة إلى اللاحق ، وإلّا إذا كان السابق لا حدَّ له فلا تصل النوبة إلى الذي بعده . يقول الإمام أمير المؤمنين :
« ومن أشار إليه فقد حدَّه »
فهو هنا موجود وهناك غير موجود ، فهو إذن محدود ، أمّا إذا لم يكن محدوداً فلا تمكن الإشارة إليه .
يضيف في التسلسل المنطقي ذاته :
« ومن حدَّه فقد عدَّه »
وإذا عدَّه فقد أبطل أزله .
فإذا ما اعتقد الإنسان بأنّ الله واحد عددىّ فقد حدده ، وإذا حدَّده فقد أشار إليه ، وإذا أشار إليه فقد جهله ، مع أنّ المفروض أنّ
« أوّل الدين معرفته »
كما يقول
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 462
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٦٢