ليست محنة المسلمين مع الأشاعرة وردّ فعل المعتزلة عليهم ، سوى محنة ناشئة من هذه المنطقة بالذات ، فقد شاء الأشاعرة أن يعطوا الله شيئاً هو للبشر في موقفهم من أفعال العباد ، فما كان من المعتزلة إلّا أن ردّوا على ذلك مرتكنين إلى نزعتهم العقلية . وكان منطق المعتزلة أنّنا إذا نسبنا الأفعال إلى الله وقلنا أنّ الله هو الذي يخلقها ، فإنّ في هذه الأفعال قبائح ومعاصىَ ، فكيف يجوز أن ننسب فعل القبيح والمعصية إلى الله .
وفى السبيل إلى تنزيه الله عن ذلك مال المعتزلة إلى نسبة الأفعال إلى الإنسان وأنّ الإنسان هو الذي يخلق أفعاله ، ولا مدخلية لله في ذلك .
ردَّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على مثل هذا المنطق فيما ذهب إليه بقوله :
« مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه » « 1 » .
أمّا الأشاعرة فقد أنكروا ذلك ونسبوا حتى القبائح إلى الله سبحانه ، فصار في مقتضى منطقهم أنّ الله يجبر الإنسان على المعصية ويعاقبه عليها يوم القيامة . لماذا ؟ لأنّه
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
« 2 » !
مرّة أخرى كان خطأهم أنّهم نسبوا لله ما هو لغير الله . في الصراط السوىّ للتوحيد كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد حذَّر من الاتّجاهين كليهما ، حيث جاء في الحديث الشريف :
« قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه » « 3 » .
لكن كيف ؟ هذا ما يضطلع التوحيد بالإجابة عنه بصيغة متوازنة ، وهذا هو
هامش
( 1 ) عن الميزان ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 100 .
( 2 ) الأنبياء : 23 .
( 3 ) التوحيد ، نقلًا من الميزان ، ج 1 ، ص 103 ؛ الأصول من الكافي ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 158 ، ح 6 .